هاشم ليدا ، قلنا له : وما يدك عندهم ؟ قال : حملت على حسين بالرّمح فانتهيت إليه ، فو اللّه لو شئت لطعنته ، ثمّ انصرفت عنه غير بعيد ، وقلت : ما أصنع بأن أتولّى قتله ! يقتله غيري . قال : فشدّ عليه رجّالة ممّن عن يمينه وشماله ، فحمل على من عن يمينه حتّى ابذعرّوا ، وعلى من عن شماله حتّى ابذعرّوا ، وعليه قميص له من خزّ وهو معتمّ ؛ قال :
فو اللّه ما رأيت مكثورا قطّ قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا ، ولا أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما منه ، واللّه ما رأيت قبله ولا بعده مثله ؛ أن كانت الرّجّالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذّئب ؛ قال : فو اللّه إنّه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته ، وكأنّي أنظر إلى قرطها يجول بين أذنيها وعاتقها وهي تقول : ليت السّماء تطابقت على الأرض ! « 1 » وقد دنا عمر بن سعد من حسين ؛ فقالت : يا عمر بن سعد ، أيقتل أبو عبد اللّه وأنت تنظر إليه ! قال : فكأنّي أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خدّيه ولحيته ؛ قال : وصرف بوجهه عنها « 1 » .
قال أبو مخنف : حدّثني الصّقعب بن زهير ، عن حميد بن مسلم ، قال : كانت عليه جبّة من خزّ ، وكان معتمّا ، وكان مخضوبا بالوسمة ، قال : وسمعته يقول قبل أن يقتل ، وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشّجاع يتّقي الرّمية ، ويفترص « 2 » العورة ، ويشدّ على الخيل ، وهو يقول : أعلى قتلى تحاثّون ! أما واللّه لا تقتلون بعدي عبدا من عباد اللّه ، اللّه أسخط عليكم لقتله منّي ؛ وأيم اللّه إنّي لأرجو أن يكرمني اللّه بهوانكم ، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ، أما واللّه أن لو قد قتلتموني لقد ألقى اللّه بأسكم بينكم ، وسفك دماءكم ، ثمّ لا يرضى لكم حتّى يضاعف لكم العذاب الأليم .
قال : ولقد مكث طويلا من النّهار ولو شاء النّاس أن يقتلوه لفعلوا ، ولكنّهم كان يتّقي بعضهم ببعض ، ويحبّ هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء ؛ قال : فنادى شمر في النّاس : ويحكم ؛ ماذا تنظرون بالرّجل ! اقتلوه ثكلتكم أمّهاتكم ! قال : فحمل عليه من كلّ جانب ، فضربت كفّه اليسرى ضربة ، ضربها زرعة بن شريك التّميميّ ، وضرب على عاتقه ،
هامش
( 1 - 1 ) [ حكاه عنه في نفس المهموم ، / 362 والمعالي ، 2 / 39 ووسيلة الدّارين ، / 329 ومثله في العيون ، / 184 وأضاف فيه : ويحكم أما فيكم مسلم ؟ فلم يجبها أحد بشيء ] .
( 2 ) - افترص العورة : انتهزها .