ومن استشفّ حقائقها ، وألمّ بها إلمامة صحيحة ممتعة ، لا يشكّ في أنّها تنهّدات الصّدّيقة الحوراء ، وأنّها نفثة مصدور ، وغضبة حليمة لا تجد ندحة من الأصحار بالحقيقة ، حيث بلغ السكّين المذبح ، فصبّتها في بوتقة البيان لتبقى حجّة بالغة مدى الأحقاب ، تعريفا للملأ الدّينيّ في الحاضر والغابر ، محلّ القوم من الفظاظة والحيف المفضيين إلى عدم جدارتهم لمنصب الخلافة ، وبعدهم عن مستوى الإمامة ومباينتهم للحقّ .
على أنّ جملها شاهدة على إثبات نسبتها إلى ابنة الرّسالة ، لما فيها من إلماعة ضوء النّبوّة ، ونشرة من عبق الإمامة ، ونفحة من نفس الهاشميّين ، مداره الكلام وأمراء البلاغة .
وهذه الخطبة الطّويلة ، المشتملة على المعاني الجليلة ، وأسرار الأحكام الإلهيّة ، اتّفق على نصّها بطولها أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطّبريّ ، من أعيان القرن الرّابع ، ورواها في دلائل الإمامة ص 31 من خمسة طرق ، وأبو منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطّبرسيّ من أعيان القرن السّادس ، أرسلها إرسال المسلّمات في الاحتجاج ص 61 ، كما هي عادته في الكتاب ؛ وأبو الحسن عليّ بن عيسى الأربلي من أعيان القرن السّابع في كشف الغمّة ص 145 ، رواها من كتاب السّقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ من نسخة مقروءة على المؤلّف في ربيع الآخر سنة 322 ، عن عدّة طرق ؛ وهذا الجوهري أثنى عليه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 4 ص 78 مصر ، فقال : إنّه عالم محدّث ، كثير الأدب ، ثقة ، ورع ، أثنى عليه المحدّثون ، ورووا عنه مصنّفاته . وأمّا أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر ، المتوفّى سنة 280 ، فرواها من طريقين ، ينتهي أحدهما إلى عروة بن الزّبير إلى عائشة ، والآخر إلى زيد بن عليّ بن الحسين إلى العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين عليه السّلام ؛ ولم يأت عليها بتمامها ، إلّا أنّه قارب تلك الرّوايات في نقله . « 1 »
المقرّم ، وفاة الصّدّيقة الزّهراء عليها السّلام ، / 79 - 80
هامش
( 1 ) - شيخ طبرسى در إعلام الورى فرموده : « زينب از مادر خود زهرا عليها السّلام اخبار بسيار روايت كرده است . »
القائني ، الكبريت الأحمر ، / 376
.