ولمّا اغترف من الماء ليشرب ، تذكّر عطش الحسين ومن معه ، فرمى الماء وقال :
يا نفس من بعد الحسين هوني * وبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون * وتشربين بارد المعين
تاللّه ما هذا فعال ديني « 1 »
ثمّ ملأ القربة ، وركب جواده ، وتوجّه نحو المخيّم ، فقطع عليه الطّريق وجعل يضرب ، حتّى أكثر القتل فيهم ، وكشفهم عن الطّريق وهو يقول :
لا أرهب الموت إذا الموت زقا « 2 » * حتّى أوارى في المصاليت لقى
نفسي لسبط المصطفى الطّهر وقى * إنّي أنا العبّاس أغدو بالسّقا
ولا أخاف الشّرّ يوم الملتقى
فكمن له زيد بن الرّقّاد الجهنيّ من وراء نخلة ، وعاونه حكيم بن الطّفيل السّنبسيّ ، فضربه على يمينه فبراها ، فقال عليه السّلام :
واللّه إن قطّعتم يميني * إنّي أحامي أبدا عن ديني
وعن إمام صادق اليقين * نجل النّبيّ الطّاهر الأمين
فلم يعبأ بيمينه بعد أن كان همّه إيصال الماء إلى أطفال الحسين وعياله ، « 3 » ولكن حكيم ابن الطّفيل كمن له من وراء نخلة ، فلمّا مرّ به ضربه على شماله فقطعها ، وتكاثروا عليه ،
هامش
( 1 ) - رياض المصائب ص 313 للسيّد محمّد مهدي الموسويّ .
( 2 ) - زقا : بمعنى صاح ، وكانت العرب تزعم أنّ للموت طائرا يصيح ويسمونه « الهامة » ويقولون إذا قتل الإنسان ولم يؤخذ بثأره زقت هامته حتّى يثأر ، قال الشّاعر :فإن تك بهراة تزقسو * فقد أزقيت بالمريدين هاماوسمعت العالم الفاضل الشّيخ كاظم سبتي رحمه اللّه يقول : أتاني بعض العلماء الثّقات وقال : أنا رسول العبّاس عليه السّلام إليك ، رأيته في المنام يعتب عليك ويقول : لم يذكر مصيبتي شيخ كاظم سبتي ، فقلت له : يا سيّدي ما زلت أسمعه يذكر مصائبك ، فقال عليه السّلام : قل له يذكر هذه المصيبة وهي :
« إن الفارس إذا سقط من فرسه يتلقّى الأرض بيديه ، فإذا كانت السّهام في صدره ويداه مقطوعتان ، بماذا يتلقّى الأرض ؟ » .
( 3 ) - [ إلى هنا حكاه عنه في العباس بن عليّ عليهما السّلام / 39 - 42 ] .