وأنزل ابن سعد الخيل على الفرات ، فحموا الماء وحالوا بينه وبين سيّد الشّهداء ، ولم يجد أصحاب الحسين طريقا إلى الماء حتّى أضرّ بهم العطش ، فأخذ الحسين فأسا ، وخطا وراء خيمة النّساء تسع عشرة خطوة نحو القبلة ، وحفر ، فنبعت له عين ماء عذب ، فشربوا ، ثمّ غارت العين ، ولم ير لها أثر ، فأرسل ابن زياد إلى ابن سعد : بلغني أنّ الحسين يحفر الآبار ويصيب الماء ، فيشرب هو وأصحابه ، فانظر إذا ورد عليك كتابي ، فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت ، وضيّق عليهم غاية التّضييق . فبعث في الوقت عمرو بن الحجّاج في خمسمائة فارس ونزلوا على الشّريعة وذلك قبل مقتل الحسين بثلاثة أيّام .
وفي اليوم السّابع اشتدّ الحصار على سيّد الشّهداء ومن معه ، وسدّ عنهم باب الورود ، ونفد ما عندهم من الماء ، فعاد كلّ واحد يعالج لهب العطش ، وبطبع الحال كان العيال بين أنّة وحنّة وتضوّر ونشيج ومتطلّب للماء إلى متحرّ ما يبلّ غلّته ، وكلّ ذلك بعين « أبي عليّ » والغيارى من آله والأكارم من صحبه ، وما عسى أن يجدوا لهم شيئا وبينهم وبين الماء رماح مشرعة ، وسيوف مرهفة ، لكن « ساقي العطاشى » لم يتطامن على تحمّل تلك الحالة :
أو تشتكي العطش الفواطم عنده * وبصدر صعدته الفرات المفعم
ولو استقى نهر المجرّة لارتقى * وطويل ذابله إليها سلّم
لو سدّ ذو القرنين دون وروده * نسفته همّته بما هو أعظم
في كفّه اليسرى السّقاء يقلّه * وبكفّه اليمنى الحسام المخذم
مثل السّحابة للفواطم صوبه * فيصيب حاصبه العدوّ فيرجم « 1 »
هنا قيّض أخاه العبّاس لهذه المهمّة ، في حين أنّ نفسه الكريمة تنازعه إليه قبل الطّلب ، فأمره أن يستقي للحرائر والصّبية ، وضمّ إليه عشرين راجلا مع عشرين قربة ، وقصدوا الفرات باللّيل غير مبالين بمن وكّل بحفظ الشّريعة ، لأنّهم محتفون « بأسد آل محمّد » وتقدّم نافع بن هلال الجمليّ باللّواء ، فصاح عمرو بن الحجّاج : من الرّجل ؟ قال : جئنا لنشرب
هامش
( 1 ) - من قصيدة للسيّد جعفر الحلّي نوّر اللّه ضريحه .