ففضخ هامته بعامود الحديد ، فانجدل صريعا على وجه الثّرى ، فهذه من أعظم المناصحة وأجلّها .
وقد مدح بهذه المناصحة ، وأثنى بها عليه الأئمّة المعصومون عليهم السّلام . قال الإمام أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام في زيارته الّتي رواها ابن قولويه في كامل الزّيارة :
( أشهد لك بالتّسليم والتّصديق والوفاء والنّصيحة لخلف النّبيّ المرسل والسّبط المنتجب والدليل العالم والوصيّ المبلّغ والمظلوم المهتضم . . . ) إلى آخره . وفي محلّ آخر :
( أشهد أنّك قد بالغت في النّصيحة وأعطيت غاية المجهود . . . ) . وفي محلّ آخر منها : ( أشهد أنّك قد نصحت للّه ولرسوله ولأخيك . . . ) . وفي محلّ آخر : ( أشهد أنّك قد بالغت في النّصيحة ، وأدّيت الأمانة ، وجاهدت عدوّك وعدوّ أخيك ، فصلوات اللّه على روحك الطيّبة ، وجزاك اللّه من أخ خيرا ورحمة اللّه وبركاته ) .
وقوله عليه السّلام : أدّيت الأمانة ، يحتمل ثلاثة وجوه :
أحدها : أنّ الإمامة منصب إلهيّ ، ووظيفة ربّانيّة قد أخذ عهدها في الميثاق الأوّل ، وهي المشار إليها بقوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . .
« 1 » الآية ، فكانت هذه الأمانة ، هي الإمامة ، كما أشار إليها ابن أبي الحديد الكاتب في خطاب أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام :
أنت الأمانة لا يقوم بحملها * خلقاء هابطة وأطلس أرفع
تأبى الجبال الشّمّ عن تقليدها * وتضجّ تيهاء ويشفق برقع
وعرضها عبارة عن التّعهّد والالتزام بواجب طاعة الإمام الّتي افترضها اللّه على عامّة البشر ، فكان هذا العرض على المخلوقات عرض اختبار ، لا عرض اختيار ، إذ لا خيرة لمخلوق مع إرادة الخالق ، وإباء السّموات والأرض ومن في معناها ليست إباء امتناع ومعصية ، بل إباء عدم تكليف ، فحملها الإنسان الّذي هو أظهر أفراد الأنواع المكلّفة من الحيوانات ، لأنّه محسوس بخلاف الملك والجنّ ، فإنّها أجسام غير مرئيّة ، ولهذا جحدها
هامش
( 1 ) - الأحزاب : 72 .