وإذا بصيحة وضجّة من خلفي ، فارتهبت لذلك وماتت يدي ويبست وإذا بنور قد ضرب على بصري ساقطاً من السّماء ، فظننته نجماً ، فرميت نفسي بين القتلى ، وإذا بذي شيبة بهيّة أتى يمشي حتّى جلس عند رأسه ، فحقّقته وإذا هو رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وإذا بأمير المؤمنين عليه السلام خلفه ، وإذا بفاطمة والحسن عليهما السلام وإذا برجال كثيرة ، لم أعرفهم ، وإذا بالنّبيّ صلى الله عليه وآله قد مدّ يده إلى نحو الكوفة ، فما ردّها إلّاوفيها رأس الحسين ، فركّبه على الجسد وأجلسه ، فواللَّه الّذي لا إله إلّاهو لقد خلته كأ نّه لم يذبحه الشّمر ، فلمّا رأى جدّه نادى : السّلام عليك يا جدّاه ! فردّ صلى الله عليه وآله . فقال : وعليك السّلام يا ولدي ! ويا ثمرة فؤادي ! يعزّ عليَّ أن أراك على هذه الصّفة . ما لجسمك مبضّع وعظمك مرضّض ؟ فقال :
يا جدّاه ! من سنابك الخيل . فصاح رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : وا ولداه ! وا مهجة قلباه ! وا حسيناه ! فدنى منه أبوه عليه السلام ، وقال : يا ولدي ! أرى شيبك مضمّخاً بالدّماء ووجهك مضرّجاً مرمّلًا ، وقد ذبحت ذبح الشّاة . فقال : نعم يا أبتاه ! ذبحني الشّمر الضّبّابيّ من القفاء .
فبكى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقال : ليتني كنت حاضراً لأُجَدّلَ دونك الأعداء وأسقيهم كأس الرّدى ، يا ليت نفسي لنفسك الفداء . ثمّ دنت أمّه فاطمة الزّهراء عليها السلام ، وقالت له :
يا نور عيني ! أرى جسمك على الثّرى ، ورأسك على السّمهريّ يُعلى ، يا شقّ روحي وسمعي ، في الملأ ، بقيت إلى الآن بلا غسل وكفن ترى ، وما لقبرك عن قبورنا نأي ، ثمّ مرّغت ناصيتها بدمه ، ونادت : وا ولداه ! وا حسيناه ! وا قتيلاه ! وا جديلاه ! وا غريباه ! هذا ، ودم الحسين عليه السلام على وجهها يسيل : وتقول : بهذا ألقى اللَّه الجليل . هذا وجدّه وأبوه وأمّه وأخوه في بكاء وعويل .
فمدّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يده وقلّب كفّي الحسين عليه السلام ، وقال : مَن قطع يا ولدي كفّيك ؟
فقال : يا جدّاه ! قطعهما جمّال لي . قال : وما مراده بذلك ؟ فقال : يا جدّاه ! لأجل هذه التّكّة الّتي في سراويلي ، كلّما مدّ يده ليأخذها قبضت عليها لئلّا تنكشف عورتي ، وكنت كلّما مددت يداً قطعها حتّى أتى عليهما ، فلمّا سمع بذلك رمى نفسه بين القتلى خشية منك يا جدّاه .
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 514
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٥١٤