فدنوت منها ، وقلت : السّلام عليك يا جدّتاه ! ورفعت رأسها ، وقالت : سكينة ؟
قلت : نعم . فقامت لاطمة معوّلة . فقالت : أدن منّي . فضمّتني إلى صدرها ، فقلت :
يا جدّتي ! على صغر سنّي أيتمت . فقالت : وا ويلتاه ! وا مهجة قلباه ! من أحنا عليكنّ من بعد القتل ؟ من جمعكنّ عن الشّتات [ إذ ] آن الرّحيل ؟ أخبريني يا سكينة عن حال العليل ؟
فقلت : يا جدّتاه ! مرارا كثيرة أرادوا قتله ، فدفعهم منه علّته ، لأنّه مكبوب على وجهه ، سلبوه ثيابه ، لا يطيق النّهوض ، ولو تراه عينك حين أركبوه على ظهر أعجف أدبر ، وقيّدوا عنقه بقيد ثقيل . فبكى ، فقلنا له : ما يبكيك ؟ قال : إذا رأيت قيدي هذا ذكرت أغلال أهل النّار ، فسألناهم بفكّه فقيّدوا رجله من تحت بطن النّاقة .
وإذا بفخذه يسيل دما وقيحا ، باكيا نهاره وليله إن نظر إلى رأس أبيه ورؤوس الأنصار مشهرين ، وإن نظر إلينا عاريات مكشّفات ، فكلّما رأى ذلك ازداد [ في ] البكاء ، فلطمت على وجهها ، ونادت : وا ولداه ! وا ضيعتاه ! هكذا صدر عليكم من بعدنا ، ثمّ أنّها قالت : وجسد القتيل من غسّله ؟ من كفّنه ؟ من صلّى عليه ؟ من دفنه ؟ من زاره ؟
فقلت : لم يكن له غسل غير دموعنا ، وكفّنته السّوافي من رمالها ؛ ورحلنا عنه وزوّارها الطّير والوحش . فنادت : وا حسيناه ! وا ولداه ! وا قلّة ناصراه ! هذا والنّساء باكيات معولات لا عوالها ، ثمّ نظرن إليّ وقلن له : مهلا يا بنت الصّفوة ، لقد أهلكت سيّدتنا وأهلكتنا .
فانتهبت من رقدتي هذه ، ويزيد وجلساؤه وأمراء بني أميّة يبكون ، فأمرهنّ بالانصراف ، فانصرفن .
الجزائري ، الأنوار النّعمانيّة ، 3 / 255 - 256
وقد ذكرت هذه القضيّة في كتاب الأنوار النّعمانيّة على وجه آخر ، وهو : أنّ الحريم لمّا أدخلن « 1 » في السّبي إلى « 2 » يزيد بن معاوية كان يطلع فيهنّ ويسأل عن كلّ واحدة بعينها إلى
هامش
( 1 ) - [ الأسرار : « لمّا أدخلوا » ] .
( 2 ) - [ الأسرار : « على » ] .