وتكفينها وتدفينها الأجساد الطّاهرات والأجسام الطّيّبات المطروحة بلا رأس في أرض كربلاء ، والأبدان المجروحات والجسوم « 1 » المرضوضات المنبوذات بلا غسل ولا أكفان في عرصة البلاء ، صار يومهم ذلك كيوم عاشوراء ، فضجّت النّساء الحاسرات ، ورفعن الأصوات ، وأحاطت ولولتهنّ بأصقاع دمشق وأطرافها ، وصار أهلها بين الباكين والباكيات ، وذلك حيث ذهل أهلها عن فطرتهم الثّانويّة المانعة عن الرّقّة والتّرحّم والبكاء على آل اللّه وآل الرّسول ، ورجعوا إلى مقتضيات الفطرة الأوّليّة من الرّقّة والتّرحّم والبكاء على أهل البيت ، فحينئذ كثر التّحديث والتّحادث بينهم بظلم يزيد ( لعنه الله ) وشدّة كفره وزندقته وكادوا أن يخرجوا عليه ويزيلوا دولته ، فصار هذا أيضا سببا من أسباب غلبة الخوف والخشية على يزيد ( لعنه اللّه ) ووقوع الرّعب في قلبه وتطلّبه المعاذير ، وإسراعه بعد ذلك إلى إطلاق أهل البيت عن المحبس والسّجن ، وستطّلع إن شاء اللّه على جملة أخرى من الأسباب والدّواعي .
الدّربندي ، أسرار الشّهادة ، / 515
وفي الكامل البهائيّ نقلا من كتاب الحاوية : أنّ نساء أهل بيت النّبوّة أخفين على الأطفال شهادة آبائهم و [ كنّ ] يقلن لهم : إنّ آباءكم قد سافروا إلى كذا وكذا ، وكان الحال على ذلك المنوال ، حتّى أمر يزيد بأن يدخلن داره .
وكان للحسين عليه السّلام بنت صغيرة لها أربع سنين قامت ليلة من منامها وقالت : أين أبي الحسين عليه السّلام ؟ فإنّي رأيته السّاعة « 2 » في المنام مضطربا شديدا . فلمّا سمع النّسوة ذلك بكين ، وبكى معهنّ سائر الأطفال وارتفع العويل .
فانتبه يزيد من نومه . وقال : ما الخبر ؟ ففحصوا عن الواقعة وقصّوها عليه ، فأمر بأن يذهبوا برأس أبيها إليها .
فأتوا بالرّأس الشّريف وجعلوه في حجرها ، فقالت : ما هذا ؟ قالوا : رأس أبيك .
ففزعت الصّبيّة وصاحت ، فمرضت ، وتوفّيت في أيّامها بالشّام .
هامش
( 1 ) - [ في المطبوع : « الجثوم » ] .
( 2 ) - [ لم يرد في المعالي ] .