أنا ابن فاطمة الزّهراء ، أنا المقتول بكربلاء ، أنا الغريب العطشان بين الملأ .
فبكى الرّاهب بكاء شديدا ، وقال : سيّدي يعزّ واللّه على أن لا أكون أوّل قتيل بين يديك . انتهى .
فلم يزل يبكي حتّى نادوه ، وطلبوا منه الرّأس ، فقال : يا رأس ! واللّه لا أملك إلّا نفسي ، فإذا كان غدا فاشهد لي عند جدّك محمّد أنّي أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، أسلمت على يديك وأنا مولاك .
وقال لهم : إنّي أحتاج أن أكلّم رئيسكم بكلمة ، وأعطيه الرّأس . فدعا عمر بن سعد ، فقال : سألتك باللّه ، وبحقّ محمّد أن لا تعود إلى ما كنت تفعله بهذا الرّأس ، ولا تخرج هذا الرّأس من هذا الصّندوق . فقال له : أفعل .
فأعطاه الرّأس ونزل من الدّير يلحق ببعض الجبال يعبد اللّه ، ومضى عمر بن سعد ، ففعل بالرّأس مثل ما كان يفعل في الأوّل ، فلمّا دنا من دمشق قال لأصحابه : انزلوا .
وطلب من خازنه بالجرابين ، فأحضرهما بين يديه ، فنظر إلى خاتمه ، ثمّ أمر أن يفتح ، فإذا الدّنانير قد تحوّلت خزفة ، فنظروا في سكّتها ، فإذا على جانبها مكتوب :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ،
وعلى الجانب الآخر مكتوب :
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .
فقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، خسرت الدّنيا والآخرة . ثمّ قال لغلمانه : اطرحوها في النّهر . فطرحت ، ورحل إلى دمشق من الغد .
المازندراني ، معالي السّبطين ، 2 / 125 - 127
وفي بعض المنازل نصبوا الرّأس على رمح إلى جنب صومعة راهب ، وفي أثناء اللّيل سمع الرّاهب تسبيحا ، وتهليلا ، ورأى نورا ساطعا من الرّأس المطهّر ، وسمع قائلا يقول :
السّلام عليك يا أبا عبد اللّه ! فتعجّب حيث لم يعرف الحال .
وعند الصّباح استخبر من القوم ، قالوا : إنّه رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، وامّه فاطمة بنت محمّد النّبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم . فقال لهم : تبّا لكم أيّتها الجماعة ، صدقت الأخبار في