فناولوه الرّأس وناولهم الدّينار ، فأخذه الرّاهب ، فغسله وطيّبه ، وتركه على فخذه ، وقعد « 1 » يبكي اللّيل كلّه ، فلمّا أسفر الصّبح ، قال : يا رأس ! لا أملك إلّا نفسي ، وأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّ جدّك محمّدا رسول اللّه ، وأشهد اللّه أنّني مولاك وعبدك .
ثمّ خرج عن الدّير وما فيه ، وصار يخدم أهل البيت .
قال ابن هشام في السّيرة : ثمّ إنّهم أخذوا الرّأس وساروا ، فلمّا قربوا من دمشق قال بعضهم لبعض : تعالوا حتّى نقسّم الدّنانير لا يراها « 2 » يزيد ، فيأخذها منّا . فأخذوا الأكياس ، وفتحوها ، وإذ الدّنانير قد تحوّلت خزفا ، وعلى أحد جانب « 3 » الدّينار مكتوب :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
الآية ، وعلى الجانب الآخر :
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
فرموها في بردا « 4 » .
سبط ابن الجوزي ، تذكرة الخواصّ ، / 149 - 150 - عنه : القمي ، نفس المهموم ، / 423 ؛ القزويني ، الإمام الحسين وأصحابه ، 1 / 404 - 405 ؛ المحمودي ، العبرات ، 2 / 260 - 261 ؛ مثله البهبهاني ، الدّمعة السّاكبة ، 5 / 62 - 63
فقد ذكر سبط ابن الجوزيّ [ . . . ] وكانوا إذا نزلوا منزلا ، أخرجوا الرّأس من صندوق أعدّوه له ، فوضعوه على رمح ، وحرسوه إلى وقت الرّحيل ، فوصلوا منزلا فيه دير راهب ، فأخرجوا الرّأس ، ووضعوه على الرّمح مستندا إلى الدّير ، فرأى الرّاهب نورا من مكان الرّأس إلى عنان السّماء ، فأشرف على القوم ، وسألهم عن الرّأس ، فقالوا : رأس الحسين ابن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم . قال : نبيّكم ؟ قالوا : نعم .
قال : بئس القوم أنتم ، لو كان للمسيح ولد ، لأسكنّاه أحداقنا . ثمّ قال : هل لكم في عشرة آلاف دينار تأخذونها ، وتعطوني الرّأس يكون عندي اللّيلة ، وإذا رحلتم خذوه ؟
قالوا : وما يضرّنا .
هامش
( 1 ) - [ الإمام الحسين عليه السّلام وأصحابه : « قبّله » ] .
( 2 ) - [ الإمام الحسين عليه السّلام وأصحابه : « لئلّا يراها » ] .
( 3 ) - [ نفس المهموم : جانبي » ] .
( 4 ) - بردى كجمزى نهر بدمشق الأعظم [ وفي الإمام الحسين عليه السّلام وأصحابه : « برّ واد » ] .