ثمّ قال : أنّه مشى قريبا من محلّ جثّته ، فأهال يسيرا من التّراب ، فبان قبر محفور ، ولحد مشقوق ، فنزل الجثّة الشّريفة ، وواراها في ذلك المرقد الشّريف ، كما هو الآن . قال :
ثمّ أنّه عليه السّلام جعل يقول : هذا فلان ، وهذا فلان والأسديّون يوارونهم ، فلمّا فرغ « 1 » مشى إلى جثّة العبّاس بن أمير المؤمنين عليه السّلام ، فانحنى عليها ، وجعل ينتحب ، ويقول : يا عمّاه ! ليتك تنظر حال الحرم ، والبنات ، وهنّ تنادين : وا عطشاه ! وا غربتاه ! . ثمّ أمر بحفر لحده ، وواراه هناك .
ثمّ عطف على جثث الأنصار ، وحفر حفيرة واحدة ، وواراهم فيها إلّا حبيب بن مظاهر « 2 » حيث أبى « 2 » بعض بني عمّه ذلك ، ودفنه ناحية عن الشّهداء ، قال : فلمّا فرغ الأسديّون من مواراتهم ، قال لهم : هلمّوا لتواري « 3 » جثّة الحرّ الرّياحيّ . قال : فتمشّى « 4 » وهم خلفه حتّى وقف عليه ، فقال : أمّا أنت فقد « 5 » قبل اللّه توبتك وزاد في سعادتك ببذلك نفسك أمام ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله . قال وأراد الأسديّون حمله إلى محلّ الشّهداء ، فقال : لا بل في مكانه واروه .
قال : فلمّا فرغوا من مواراته ركب ذلك الفارس جواده ، فتعلّق به الأسديّون ، فقالوا له : بحقّ من واريته « 6 » بيدك من أنت ؟ فقال : أنا حجّة اللّه عليكم ، أنا عليّ بن الحسين عليه السّلام جئت لأواري جثّة أبي ، ومن معه من إخواني ، وأعمامي ، وأولاد عمومتي ، وأنصارهم الّذين بذلوا مهجهم دونه ، والآن أنا راجع إلى سجن ابن زياد لعنه اللّه ، وأمّا أنتم فهنيئا لكم ، لا تجزعوا إذ تضاموا « 7 » فينا . فودّعهم ، وانصرف عنهم ، وأمّا الأسديّون فإنّهم رجعوا مع نسائهم إلى حيّهم ، انتهى ما نقل عن السّيّد الجزائريّ « 8 » .
هامش
( 1 ) - [ المعالي : « فلمّا فرغوا منهم » ] .
( 2 ) ( 2 - 2 ) [ المعالي : « أتى » ] .
( 3 ) - [ المعالي : « لنواري » ] .
( 4 ) - [ المعالي : « فمشى » ] .
( 5 ) - [ المعالي : « فلقد » ] .
( 6 ) - [ المعالي : « واريتهم » ] .
( 7 ) - [ المعالي : « تصادموا » ] .
( 8 ) - [ إلى هنا حكاه في المعالي ] .