بسنابكها ، صحن ولطمن الوجوه ، وصاحت زينب : يا محمّداه ! هذا حسين بالعراء ، مرمّل بالدّماء ، مقطّع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذرّيّتك مقتّلة . فأبكت كلّ عدوّ وصديق حتّى جرت دموع الخيل على حوافرها .
ثمّ بسطت يديها تحت بدنه المقدّس ، ورفعته نحو السّماء ، وقالت : إلهي تقبّل منّا هذا القربان . وهذا الموقف يدلّنا على تبوّئها عرش الجلالة ، وقد أخذ عليها العهد والميثاق بتلك النّهضة المقدّسة ، كأخيها الحسين عليه السّلام وإن كان التّفاوت بينهما محفوظا ، فلمّا خرج الحسين عن العهدة بإزهاق نفسه القدسيّة ، نهضت « العقيلة زينب » بما وجب عليها ، ومنه تقديم الذّبيح إلى ساحة الجلال الرّبوبيّ والتّصريف به ، ثمّ طفقت ، سلام اللّه عليها ، ببقيّة الشّؤون ولا استبعاد في ذلك بعد وحدة النّور وتفرّد العنصر .
واعتنقت سكينة جسد أبيها الحسين عليه السّلام ، فكانت تحدّث أنها سمعته يقول :
شيعتي ما إن شربتم * عذب ماء فاذكروني
أو سمعتم بغريب * أو شهيد فاندبوني « 1 »
ولم يستطع أحد أن ينحيها عنه ، حتّى اجتمع عليها عدّة ، وجرّوها بالقهر .
المقرّم ، مقتل الحسين عليه السّلام ، / 396 - 398
فقلن النّسوة للموكّلين بهم : باللّه عليكم إلّا ما مررتم بنا على مصرع الحسين والقتلى من أهل بيته وأصحابه ! فمرّوا بهنّ على مصارع القتلى . فلمّا نظرن إليهم مقطّعي الأوصال ، قد طعمتهم سمر الرّماح ، ونهلت من دمائهم بيض الصّفاح ، وطحنتهم الخيل بسنابكها صحن ، وولولن ، ولطمن الخدود .
وجعلت زينب ابنة عليّ عليه السّلام تحدّ النّظر من جسم أخيها الحسين ، وهي تنادي بصوت حزين ، وقلب كئيب : يا محمّداه ! صلّى عليك مليك السّماء ، هذا حسين بالعراء ، مرمّل بالدّماء ، مقطّع الأعضاء ، محزوز الرّأس من القفاء ، مسلوب العمامة والرّداء ،
هامش
( 1 ) - [ انظر : 5 / 218 ] .