رأسه ، وجلس مغتمّا حزينا ؛ فقالت له امرأته : ما لي أراك مغتّما حزينا ؟ قال : فكيف لا أحزن ، وإنّ غلامين قد هربا من عسكر عبيد اللّه ، وقد جعل لمن جاء بهما عشرة آلاف درهم ، وقد بعثني خلفهما فلم أقدر عليهما . فقالت امرأته : اتّق اللّه يا هذا ؟ ولا تجعل خصمك محمّدا صلّى اللّه عليه واله وسلم . فقال لها : اعزبي عنّي ! فو اللّه لا أعرف لهما من رسول اللّه منزلة ، فائتيني « 1 » بطعامي . فأتته بالمائدة ووضعتها بين يديه ، فأهوى يأكل منهأ ، فبينا هو يأكل ، إذ سمع هينمة الغلامين في جوف اللّيل ، فقال : ما هذه الهينمة ؟ قالت : لا أدري : قال :
ائتيني « 2 » بالمصباح حتّى أنظر . فأتته به ، فدخل البيت فإذا هو بالغلامين ، فعرفهما ، فوكزهما برجله ، وقال : قوما من أنتما ؟ ومن أين جئتما ؟ قالا : نحن من ولد جعفر الطّيّار في الجنّة ، هربنا من عسكر ابن زياد . فقال لهما : من الموت هربتما ، وفي الموت وقعتما . فقالا له :
يا شيخ ! اتّق اللّه وارحم شبابنا ، واحفظ قرابتنا من رسول اللّه . فقال لهما : دعا هذا ، فو اللّه لا أعرف لكما قرابة من رسول اللّه .
فأقامهما ، وشدّ كتفيهما ، ودعا بغلام له أسود ، فقال له : دونك هذين الغلامين ، فانطلق بهما إلى شطّ الفرات ، واضرب أعناقهما وأنت حرّ لوجه اللّه .
فتناول الغلام السّيف وانطلق بهما ، فلمّا كان في بعض الطّريق ، قال له أحدهما :
يا أسود ! ما أشبه سوادك بسواد بلال ، خادم جدّنا رسول اللّه ! قال لهما : من أنتما من رسول اللّه ؟ قالا : نحن من ولد جعفر الطّيّار في الجنّة ابن عمّ رسول اللّه .
فألقى الأسود السّيف من يده ، وألقى نفسه في الفرات ، وكان مولاه اقتفى أثره ، وقال :
يا مولاي ! أردت أن تحرقني بالنّار ، فيكون خصمي محمّد صلّى اللّه عليه واله وسلم يوم القيامة ؟ فقال له :
عصيتني يا غلام ؟ فقال الغلام : لأن أطيع اللّه وأعصيك ، أحبّ إليّ من أن أطيعك وأعصي اللّه ! فلمّا نظر إلى الغلام وحالته علم أنّه سيهرب .
فدعا بابن له ، فقال : دونك الغلامين ، فاضرب أعناقهما ، ولك نصف الجائزة . فتناول
هامش
( 1 ) - [ في المطبوع : « فائتني » ] .
( 2 ) - [ في المطبوع : « ائتني » ] .