« وروي » : إنّه لمّا سمعت ذلك أخته زينب ، أو أمّ كلثوم ، جاءت إلى الحسين ، وقالت :
يا أخي ! هذا كلام من أيقن بالموت . قال : نعم يا أختاه . قالت : إذا فردّنا إلى حرم جدّنا .
فقال : يا أختاه ! لو ترك القطا ، لنام . فقالت : وا ثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة ، مات جدّي رسول اللّه ، ومات أبي عليّ ، وماتت أمّي فاطمة ، ومات أخي الحسن ، وبقي ثمال أهل البيت ، واليوم ينعي إليّ نفسه . وبكت ، فبكت النّسوة ، ولطمن الخدود ، وشققن الجيوب ، وجعلت أخته تنادي : وا محمّداه ! وا أبا القاسماه ! اليوم مات جدّي محمّد ، وا أبتاه ! وا عليّاه ! اليوم مات أبي عليّ ، وا أمّاه ! وا فاطماه ! اليوم ماتت أمّي فاطمة ، وا أخاه ! وا حسناه ! اليوم مات أخي الحسن ، وا أخاه ! وا حسيناه ! وا ضيعتنا بعدك يا أبا عبد اللّه . فعزّاها الحسين ، وصبّرها ، وقال : يا أختاه ! تعزّي بعزاء اللّه ، وارضي بقضاء اللّه ، فإنّ أهل السّماء يفوتون ، وأهل الأرض يموتون ، وجميع البريّة لا يبقون ، كلّ شيء هالك إلّا وجهه ، فتبارك اللّه الّذي إليه جميع الخلق يرجعون ، فهو الّذي خلق الخلق بقدرته ، ويفنيهم بمشيئته ، ويبعثهم بإرادته ، يا أختاه ! كان جدّي وأبي وأمّي وأخي خيرا منّي وأفضل ، وقد ذاقوا الموت ، وضمّهم التّراب ، وإنّ لي ولك ولكلّ مؤمن برسول اللّه أسوة حسنة .
ثمّ قال عليه السّلام : يا زينب ! ويا أمّ كلثوم ! ويا فاطمة ! ويا رباب ! انظرن إذا أنا قتلت ، فلا تشقّقن عليّ جيبا ، ولا تخمشن عليّ وجها ، ولا تقلن في هجرا .
الخوارزمي ، مقتل الحسين ، 1 / 237 - 238
وجلس الحسين عليه السّلام يصلح سيفه ويقول :
يا دهر أفّ لك من خليل * كم لك بالإشراق والأصيل
من طالب وصاحب قتيل * والدّهر لا يقنع بالبديل
وكلّ حيّ فإلى سبيلي * ما أقرب الوعد من الرّحيل
وإنّما الأمر إلى الجليل
فلمّا سمعت زينب ايراده للأبيات ، وأنّ قولهم هذا يدلّ على رميهم بسهم الشّتات ، فلم