تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
يتسامى إلى أفق الإيثار من دون جهاد نفسه وتزكيتها إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ كلما ذكرت كلمة الإِنسَانَ أريد بها - فيما يبدو - طبيعة الإنسان الأولية قبل التزكية والتعليم ، وقد ذكروا تفسيرات شتى للفظة لَكَنُودٌ أبرزها : الكفور ، العاصي ، البخيل ، السيئ الملكة ، وقال بعضهم : هو الذي يكفر باليسير ولا يشكر الكثير ، وقيل : إنه الجاحد للحق ، وأنشدوا :
كنود لنعماء الرجال ومن يكن * كنودا لنعماء الرجال يبعَّد
ويبدو أن الصفات السيئة يتسع بعضها ، مما يجعل المعنى الأصلي للكلمة الدالة على واحدة منها ضائعا فيختلف فيه الناس ، وقد تكون الكلمة موضوعة كشخصية متصفة بها جميعا ، كما سبق في معنى كلمة عُتُلٍّ [ القلم : 13 ] وإذا قلنا بأن لكلمة ( كَنُودٌ ) معنى واحدا ، فليكن البخيل الذي يحس دائما بأن حقه أعظم مما أوتي فلا يشكر نعم الله عليه بالإنفاق ، ومن هنا جاء في الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله : [ الكَنُودُ هُوَ الذِي يَأْكُلُ وَحْدَه ، وَيَمْنَعُ رَفْدَه ، وَيَضْرِبُ عَبْدَه ] « 1 » . وقال الشاعر :
دع البخلاء أن شمخوا وصدوا * وذكرى بخل غانية كنود
وهكذا يكون معنى لِرَبِّهِ لفضل ربه ونعمه . [ 7 ] والكفران والجحود والبخل وسائر الصفات السيئة التي تجمعها كلمة كنود حقائق يعترف الإنسان بوجودها في نفسه ، فعليه مسؤولية تخليص نفسه منها ، ولا يمكنه التملص عن المسؤولية بأنه كان جاهلا : وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ أولم يقل ربنا سبحانه في آية أخرى : بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [ القيامة : 14 - 15 ] وقال بعضهم معنى الآية : إن الله على ذلك لشهيد وهو بصير ، لأن السياق يُحدث عن الإنسان فالأولى عودة الضمير إليه تعالى . [ 8 ] ولكن لماذا لم يتخلص من كند نفسه ؟ ! لأنه شديد الحب للخير ، ومن شدة حبه له تراه يبخل به ولا يشكر ربه عليه بإنفاقه . وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ وحب الخير بذاته فضيلة ، ولكنه يصبح رذيلة إذا اشتد في الإنسان ، وطغى على حبه لله وللرسالة ، وفضله الإنسان على الآخرة التي هي الخير حقا . ولكن أي خير هذا الذي يهدده الموت في أية لحظة ، قال الشاعر :
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 20 ص 160 .