تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
( والكعم شيء يوضع في فم البعير ) لئلا تصهل فيعلم العدو بهم ، فكانت تتنفس في هذه الحالة بقوة وأنشدوا :
والخيل تعلم حين تض - * بح في حياض الموت ضبحا
[ 2 ] كانت الخيل تعدو بسرعة ، ولكن من دون صهيل ، وكانت الحركة في الليل - فيما يبدو - حيث تتطاير الشرر من حوافرها التي تحتك بالحصى ، مما يظهر أن الأرض كانت وعرة ، فجاء السياق يقسم بها وهي تنساب بين الصخور في رحم الظلام . فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً والإيراء : الاشعال ، والقدح : ضرب الحجارة ببعضها طلبا للنار . [ 3 ] وتقترب خيل المجاهدين العادية من أرض العدو ، وتنتظر انبلاج الفجر فتفاجئ العدو بغارتها الخاطفة . فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً وهكذا كانت الغارات الناجحة ، فإذا أرادوا العدو ساروا إلى أرضه ليلا ، وانتظروا الصباح للبدء بالهجوم ، حيث لا تزال العيون نائمة ، والأعصاب مخدرة . [ 4 ] وعند الهجوم المباغت تثير الخيل بحوافرها الغبار ، وكلما ازداد الغبار كشف عن شدة المعركة . فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ولعل النقع : الغبار الغليظ الذي يشمل الأرض ، ذلك لأن أصل النقع ، كما قيل - الغور في الماء أو غور الماء - ولهذا يسمى الماء الراكد بالنقيع ، لأنه يغور في الأرض أو يغور فيه الغاطس ، قالوا : لذلك سمي الغبار نقيعا فكأنه يغور فيه الإنسان . وتساءلوا عن ضمير بِهِ أين مرجعه ، فقال البعض : أنه يعود إلى العدو المفهوم من العاديات ، وقال آخر : بل يعود إلى المكان الذي تقع فيه المعركة ، والمفهوم من السياق ، وأظن أنه يعود إلى قوله : صُبْحاً لأنه الأقرب ، وإذا نسب إلى الزمان شيء كان أبلغ في معنى الشدة ، كما نقول يوم نحس أو يوم سعيد ، أي كله سعادة أو نحوسة . بلى ، قد أثارت الخيول نقعا جعل الصباح مغبراً . [ 5 ] الغارة القاهرة هي التي تقع مفاجئة ، وصباحا ، وتبلغ أهدافها بسرعة خاطفة ، وهكذا كانت تلك الغارة التي اخترقت قلب العدو فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً يقال : وسطت القوم أي صرت في وسطهم ، والجمع بمعنى : تجمع العدو ، وهو كناية عن قلب جيشهم ، ومركز قوتهم ، وضمير بِهِ يعود إلى العدو أو إلى المكان أو الصباح حسب ما سبق في الآية الماضية . كان ذلك التأويل الأقرب إلى ظاهر الآيات ، وهناك تأويل آخر ذكره طائفة من المفسرين ، حيث قالوا : تعني الآيات خيل الحجيج أو إبلهم ، حيث يفيضون إلى عرفات ثم مزدلفة فمنى