ويكون معنى الإيراء إشعال النيران لطعامهم ، ومعنى الجمع : مزدلفة ، أما معنى المغيرات صبحا - حسب التفسير - فهي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من منى إلى جمع ، والسنة ألا تدفع حتى تصبح . ويبدو أن تأويل الآيات في الحج ومناسكه ومشاعره لا يتنافى مع تأويلها في الجهاد ، أليس الحج جهاد المستضعفين ؟ ويشبه مناسكهم وحركتهم .
وهكذا نجد الرواية التالية المأثورة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام تجمع بين التأويلين ، تدبر قليلا فيها : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : [ بَيْنَمَا أَنا فِي الحِجْرِ جَالِس ، إِذْ أتَانِي رَجُل فَسَأَلَ عَن وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَقُلتُ لَهُ : الخيلُ حِينَ تَغْزو فِي سَبيلِ الله ، ثُم تَأْوي إِلى الليلِ ، فَيَضَعُون طَعَامَهُم ، وَيُورونَ نَارَهُم ، فَانْفَتَلَ عَني وَذَهَبَ إِلى عَلي بن أَبِي طَالب عليه السلام - وَهوَ تَحْتَ سِقَايةِ زَمْزَم - فَسَأَلَهُ عَن وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَقَالَ عليه السلام :
سَأَلْت عَنْهَا أحداً قَبْلي ؟ .
قَالَ : نَعَم ، سَأَلْتُ عَنْهَا ابن عَبَاس ، فَقَالَ : الخيلُ حِينَ تَغْزو فِي سَبيلِ الله ، قَال :
فَاذْهَب فَادعهُ لِي .
فَلَمَا وَقَفَ عَلى رَأسِهِ قَال عليه السلام :
أَتفْتِي الناسَ بمَا لا عِلمَ لَكَ بِهِ ، والله إن كَانَتْ لأول غَزْوةٍ فِي الإسلامِ بَدر ، وَمَا كَانَ مَعَنَا إلا فَرَسَان : فَرَس للزُبير ، وَفَرس للمقدَاد بن الأسْوَد ، فَكَيفَ يَكُون العَادِيَات الخَيل ؟ بَل العَادِيات ضَبْحَا الإبل مِن عَرَفة إِلى المُزْدَلفة ، وَمِن مزدلفة إِلى منَى .
قَالَ ابن عَباس : فَرَغبتُ عَن قَولِي وَرجعتُ إِلى الذي قَالَه علي ] « 1 » .
ويؤيد الجمع بين التأويلين ما جاء في سبب نزول السورة :
[ أَنهُ كَانَ في سَريةٍ
( ذات السلاسل )
قَادَهَا الإمامُ عَلي
عليه السلام
حَيثُ أَخبرَ جبرائيل
عليه السلام
النَبي
صلى الله عليه وآله
: أَن أَهْل وَادِي اليَابِس قَد اجْتَمَعُوا فِي اثْنَي عَشَرَ أَلْف فَارِس ، وَتَعَاقَدُوا وَتَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَتَخلف رَجُل عَن رَجُل . وَلا يَخْذل أَحَد أَحَداً حَتَى يَقْتلوا مُحمداً وَعَلياً ، فَبَعَثَ رَسُول الله إِلَيْهم بِسَرية يَقُودُهَا أَبُو بَكر فِي أَرْبَعَةِ آلافِ رَجُلٍ ، فَلَمَا رَأَى بَأْسَهم وَبُعْد دِيَارِهم لَم يُحَارِبهُم ، فَأَرْسَلَ رَسُول الله عُمراً بِالمُهِمةِ ، فَعَادَ هُوَ الآخر لِذَاتِ السببِ ، فَلَما بَعثَ إليهِم عَلياً مَشَى إِليهِم مِن غَيرِ الجَادةِ ، وَأَعْنَفَ في السيرِ ، فَمَا أَحَاطَ بِأَرْضِهِم ، أَغَارَ عَليهِم صَبَاحاً وَهُم غَافِلون ، فَلَمَا يَعْلمُوا حَتى وَطَأَتهُم الخَيْل ، وَأَقْبَلَ بِالأَسَارَى وَالأمْوال إِلى رَسولِ الله فَنَزَلَتْ السُورَة ]
« 2 » .
[ 6 ] قسماً بكل ذلك الإيثار العظيم الذي يتجلى في معارك المجاهدين ، قسما بتلك القمم السامقة التي بلغوها بإيمانهم ويقين قلوبهم : إن الإنسان قد طبع على كفران النعمة ، ولن
هامش
( 1 ) نور الثقلين : ج 5 ص 656 ، ونجد روايات مشابهة في سائر التفاسير .
( 2 ) المصدر السابق : ص 652 : بتصرف واختصار ، وراجع أيضاً بحار الأنوار : ج 21 ، ص 66 ، وكذلك مجمع البيان : ج 10 ، ص 528 .