وفي أدب العرب لا يرجع ضميران متصلان إلى مصدر واحد ، فلا يقال : ضربه ، نظرتني ، بل يقولون : ضرب نفسه ونظرت نفسي ، إلا أفعال القلوب التي تتعدى إلى مفعولين مثل حسب ، فيقولون : ( حسبتني ) وقال الله تعالى : أَرَأَيْتَ ورأى هنا ليس بمعنى النظر بالعين إذ إن ذلك من أفعال الجوارح ، بل بمعنى النظر بالقلب . وسياق الآية يهدينا إلى أن خطأ علميا ينشأ عن الإنسان فيزعم أنه قد استغنى ، ويتسع ذلك لاحتمالين :
الأول : أن يرى نفسه مستغنيا بما أوتي من علم فينطبق على علماء السوء كما قال سبحانه : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا [ آل عمران : 188 ] وينسجم ذلك أيضا مع قوله سبحانه : أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ( 9 ) عَبْداً إِذَا صَلَّى إذ أن هذا من شأن علماء السوء وأنصاف المثقفين ، الذين يتصدون لأمور الدين ، ويأمرون وينهون بما تشاء أهواؤهم ، ويشير إلى هذا التأويل الحديث المأثور عن الإمام علي عليه السلام أنه خرج في يوم عيد ، فرأى أناسا يصلون فقال :
[ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ شَهِدْنَا نَبِيَّ الله فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ ، أَوْ قَالَ النَّبِيُّ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تَنْهَى أَنْ يُصَلُّوا قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ ؟ فَقَالَ : لَا أُرِيدُ أَنْ أَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى وَلَكِنَّا نُحَدِّثُهُمْ بِمَا شَهِدْنَا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله أَوْ كَمَا قَالَ ]
« 1 » . وهكذا لا ينبغي لعلماء الدين أن يفرطوا في الأمر ، والتي فيما لا يتصل بالبدع الظاهرة في الأمة ، فقد ينهون أحدا عن عمل صالح وهم لا يشعرون ، كما يفعل بعض المتصدين للشؤون الدينية اليوم ، يستغلون ثقة الناس فيهم ، وفي نهيهم عن التعاون مع المؤمنين أو عن دعم المؤسسات الخيرية لأنها ليست في نطاقهم ، أو لأنهم يخالفون الخط الذي ينتهجه أصحاب تلك المؤسسات .
الثاني : أن يظن أنه مستغن بما أوتي من فضل الله ، فيزعم أن المال هو كل شيء في حياته ، فلا يأبه بنواقصه ونقاط ضعفه من الناحية الدينية أو العلمية أو الخلقية أو الاجتماعية ، إنما يختصر نفسه في زاوية المال حتى تفسد علاقاته مع أهله وذوي قرباه ، ويتعامل معهم بروح استبكارية . لماذا ؟ لأنه يملك بعض المال . كلا . . إن الثروة واحدة من فرص الحياة ، فلماذا تضيع سائر أبعاد حياتك لها ، أرأيت لو كنت غنيا لا تأكل أو لا تنام أو سائر أفعال البشر . بلى ، بلى تفعل كل ذلك لأنها فرص حياتك أليس كذلك ؟ فلماذا تسجن نفسك في زنزانة الطغيان ، وتفصلها عن إخوانك وأسرتك وسائر البشر ، وتضيع عن نفسك التمتع بلذة العلم ، وجمال الأدب ، وجلال الأخلاق ، وحتى تحرمها من كمالات الدين . وقد أولت الآية في أبي جهل الذي طغى بماله ، وحاول أن ينهى رسول الله عن صلاته ، ومعروف أن أبا جهل واحد من أولئك المترفين ، وأن في كل عصر طاغية يسير على خطاه ، فكم هجمت شرطة الأنظمة الفاسدة على مواقع الصلاة ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 88 ، ص 124 .