بمعنى الدفع ، وأنشدوا :
مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى * زبانية غلب عظام حلومها
وفي نزول الآية ورد عن ابن عباس قال : [ لمَا أَتَى أَبُو جَهْل رَسُول الله صلى الله عليه وآله انْتَهَرَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وآله فَقَالَ أَبُو جَهل : أَتَنْهَرَنِي يَا مُحمَد فَوَ الله لَقَدْ عَلِمَت مَا بِهَا أَي بِمَكة أَحَدٌ أَكْثَرُ نَادياً مِنِي فَأَنْزَلَ الله سُبْحَانَهُ فَلْيَدْعُ نَادِيَه ] « 1 » . وقد روي عن ابن عباس أيضا : [ أَنهَا نَزلَتْ فِي أَبِي جَهْل حِينَما صَفَعَ ابن مَسْعُود عِنْدَمَا تَلا عَلَى قُرَيْش سُورَة الرحْمَن ، فَعَادَ ابن مَسْعُود إِلى النَبي بَاكِياً ، فَنَزَلَ جَبرائيل يُبَشِر الرسُول صلى الله عليه وآله بِالفَتْح ، وَكَانَ مِن أَمْرِ ابن مَسْعُود أَنهُ مَر فِي يَومِ بَدْر عَلَى أَبي جَهل يُنَازِعُ الموتَ فَجَلَسَ عَلى صَدْرِهِ لِيَحز رَأْسه ، فَقَالَ لَهُ : لَقَد جَلَسْتَ مَجلساً عَالياً ، فَنَهَرهُ ابن مَسْعُود قَائلًا : الإسلامُ يَعْلو وَلا يُعْلَى عَليهِ ، فَلمَا قَطَعَ رَأْسَه أَخَذَ يَجُرهُ عَلَى الأرضِ مِنْ نَاصِيتِهِ ، وَهَكَذَا تَحققت بِشَارَة جَبرائيل ، وَتَؤولَتْ الآيةُ فِي الدُنْيَا قَبْلَ الآخِرَة ] .
[ 19 ] وفي ختام السورة ينهى القرآن من طاعة أولئك الطغاة الذين استغنوا بما لديهم من مال أو معرفة ، لأن طاعتهم عصيان لله ، وقد يكون شركا ظاهرا أو خفيا ، وهو - بذلك - يحرم الإنسان من التقرب إلى الله سبحانه . كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ وحين يكفر الإنسان بطغاة المال ، وأدعياء العلم بالرغم مما لهم من إغراء وتضليل وإرهاب ، يستعيد استقلاله الذي هو جوهر إنسانيته ، ويستعد نفسيا للسجود ، ومن خلال السجود للتقرب إلى الله .
والآية تهدينا : إلى أن السجود معراج البشر إلى الله ، فإذا سجدت اقتربت إلى الله ، بلى ، أليس ذات الإنسان فقر وعجز وذلة ، أوليس يتحسس البشر هذه الحقيقة عند السجود ، عندما يضع ناصيته فوق التراب تذللا ؟ وإذا عرف الإنسان حقيقة نفسه رفع حجاب الكبر الذي يفصله عن معرفة ربه ، واستشعر بفيض نوره يغمر فؤاده ، من هنا جاء في الأثر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله
[ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ إِذَا كَانَ سَاجِداً ]
« 2 » . وروي عن الإمام الرضا عليه السلام : [
أقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الله عَزَّ وجَلَّ وهُوَ سَاجِدٌ وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ] « 3 » .
وقد أوجب فقهاء الإسلام السجدة عند تلاوة هذه الآية ، واعتبروا سجدة سورة العلق من العزائم الأربع التي يفرض فيها السجود ، والثلاثة الأخرى : [ آلم السجدة ] و [ فصلت ] و [ النجم ] . وهكذا روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال :
[ عَزَائِمِ السُّجُود أَرْبَعَ :
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ص 278 .
( 2 ) مستدرك الوسائل : ج 4 ص 475 .
( 3 ) الكافي : ج 3 ص 264 .