تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وجاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : في تفسيرها : [ بَيَّنَ لَهَا مَا تَأْتِي ومَا تَتْرُكُ ] « 1 » . [ 9 ] عظيمة جدا نعمة العقل الذي هو مرآة للطبيعة ، تعكس ما فيها من خير وشر ، وحسن وقبح ، وجمال ودمامة ، وأعظم منها المشيئة التي بها يتم انتخاب الإنسان لواحد منهما ، ويبلغ بها البشر أرفع درجات الكمال المتمثلة في الفلاح ، أوليس الفلاح بلوغ المنى ، وتحقيق أبعد الأهداف والغايات ؟ ! بلى ، ولكن كيف يبلغ الإنسان ذلك ؟ بتزكية النفس وتطهيرها من حوافز الشر ، ورواسب الشرك ، ووساوس الشيطان . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا قالوا : الزكاة بمعنى النمو والزيادة ، ومنه زكاة الزرع إذا كثر ريعه ، ومنه تزكية القاضي للشاهد لأنه يرفعه بالتعديل . ويبدو لي أن أصل معنى الزكاة التطهير ، وبما أن الشيء الطاهر ينمو بينما لا يكون الخبيث إلا نكدا تلازم معنى الزكاة والتطهير . وقال بعضهم أن أجواد العرب كانوا ينزلون الرُّبا والمرتفعات ليسهل على أصحاب الحاجة الوصول إليهم ، بينما اللئام كانوا يختارون الأطراف والمنخفضات هربا من الفقراء وطالبي المعروف ، فأولئك علَّوا أنفسهم وزكوها ، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها . [ 10 ] كما أن من زكى نفسه وطهرها من أدرانها وأنقذها من قيودها وأغلالها ينطلق في معارج الكمال ، ويبلغ الفلاح ، فإن من دس نفسه في أوحال الجهل ، وسلاسل العبودية ، للمال والجاه ، فإنه يخيب ولا يبلغ أيا من أهداف وجوده . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا وأصل الدس من التدسيس ، وكما قالوا : هو إخفاء الشيء في الشيء ، فأبدلت سينه ياء ، كما يقال : قصيت أظفاري ، وأصلها قصصت أظفاري ، وقد استخدمت الكلمة في الإغواء كما قال الشاعر :
وأنت الذي دسست عمرا فأصبحت * حلائله منه أرامل ضيعا
والسؤال : ما هي علاقة الدس وهو الإخفاء بالخيبة ؟ . إنهما تعبيران متناسقان ، ذلك أن الخيبة التي هي خسارة غير متوقعة ، وفشل غير محتمل تأتي نتيجة الإحجام والانطواء والانغلاق ، والنفس مثل كتلة عظيمة من الأحجار الكريمة أخفيت تحت ركام من الرمل والحجر ، ماذا تنفع هذه الكتلة لو زدناها ركاما فوق ركامها ، إنما تنفع إذا استخرجناها ، ونظفناها ، وأبعدنا عنها الأجسام الغريبة ، كذلك أنت كتلة هائلة من المواهب والفرص ، بإمكانك أن تستغل كل لحظة من حياتك في العروج بنفسك درجة من الكمال ، ولكن إذا استسلمت للضغوط ، واشتغلت بالتوافه ، وتعللت بالتبريرات والأعذار فإن عمرك يذهب عبثا . وتخيب ظنونك .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 196 .