[ 5 ] عندما يستجلي المتدبر في ظواهر الطبيعة آيات الله فيها يعي الإنسان عظمة السماء وبنائها المتين ، والأرض وإعدادها لراحة البشر ، وفيذكره الله سبحانه بهما قائلا : وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا أي تدبير عظيم ، وأية حكمة بالغة ، وآية قوة واسعة ، وأي علم محيط وراء بناء السماء وما فيها من أجرام سماوية مسخرة في أفلاكها . لا يكاد حتى الخيال العلمي الخصب ملاحقة أبعادها وآفاقها ومبتدئها ومنتهاها .
[ 6 ] انظر إلى الأرض التي تعتبر بالقياس إلى سائر أجرام السماء كسمكة صغيرة على شاطئ المحيط إذا قستها إلى الحيتان الكبار التي تجوب البحار الواسعة ، أو كأصغر حرف من أصغر كلمة في كتاب متواضع بالنسبة إلى مكتبة تضم ملايين الأسفار ، فإذا نظرت إلى الأرض وبحارها وسهولها وجبالها وأنواع الخلق فيها - مما لا يحصيها العلم - كل نظرك ونصب مخك ، وقلت : سبحان الله ! ما أعظم تلك القوة التي دحت الأرض وهيأتها للحياة بعشرات الملايين من وسائل الحياة والراحة وأسبابها وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا قالوا : الدحو والطحو واحد ، ومعناهما البسط ، وقال الماوردي : ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز لأنه حياة لما خلق عليها ، ويبدو أن أصل الطحو هو تهيئة الشيء وتمهيده والله العالم .
[ 7 ] لماذا خلقت السماء والأرض ، وأحكمتا البناء أوليس للإنسان ؟ ! تعالوا وفكروا في هذا العالم الكبير : إنه آية على ما خلقهم الله من الأرض من أحياء وأشياء . وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا في أعماق هذه النفس آيات لا يتسنى لغير صاحبها بلوغ أغوارها ، كذلك في أعماق سائر النفوس وسائر الحقائق . إنك ترى الشمس من ظاهرها ، تلامس جدرانها الخارجية فهل تعرف ما يجري هناك في داخلها ، كذلك القمر والنهار والليل ، بينما نفسك أقرب الكائنات إليك لا تقدر على اكتشاف جانب من أغوارها الذاتية ، فتفكر أي خلق عظيم هذه النفس التي هيأها الله سبحانه ، ونظم أمرها ، بأحسن تنظيم .
[ 8 ] وأعظم ما في النفس العقل الذي هداها الله به إلى خيرها وشرها ، تقواها وفجورها ، ما يصلح لها وعليها أن تأتي به ، وما يفسدها وعليها أن تتركه . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا كما قال سبحانه : وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] ومعرفة الفجور قدمت على معرفة التقوى إذ أن النفس تعرف أولًا أسباب الهلاك ، ثم تعرف كيف تتجنبها بوسائل الصلاح . علما بأن أكثر الواجبات هي سبل للتخلص من المفاسد .
جاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله
[ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآية :
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
رَفَعَ صَوْتَه بِهَا وَقَالَ : آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا فَأَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ]
« 1 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 98 ، ص 342 .