تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
[ 4 ] أيهما أيسر عليك إذا حملت ما يزن خمسة كيليات وأنت تزعم أنها عشرة ، أو كنت تزعم أنها ثلاثة ؟ ! كذلك حينما تواجه الحياة وأنت ترى أنها كما التسلق على جبل أشم ، فإنك تتغلب بسهولة ، بعكس ما لو زعمت أنها مجرد رحلة سياحية . والقرآن الكريم يريدنا أن نعرف حقيقة الحياة ، ونسمو إلى مستواها ، لأنه أفضل لديننا ودنيانا من أن نتهرب منها بحثا عن الراحة ، القرآن يريدك قوي الظهر حتى لا يثقل عليك أي حمل ، ولا يريدك تبحث دائما عن الحمل الخفيف وقد لا تجده . . أولم تقرأ قول الله سبحانه : يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [ الانشقاق : 6 ] . بلى ، وكل حياة الإنسان كدح ، إلا إنه قد يغفل عنه فيهرب إلى ما هو أشد كدحا ، أو يستسهله ويتغلب على صعابه حتى لا يعود يعترف بأية صعوبة . لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ وأنى لك الفرار من أمر خلقت فيه وهو داخل كيانك بل هو أصل وجودك شئت أم أبيت ؟ ! قالوا : الكبد الشدة والنصب . الوجود ذاته سلسلة انتصارات ضد العدم ، أوليس الوجود نورا يجعل الشيء واقعا ! تصور أن النور ذرات متلاحقة متصلة ، فإذا توقفت فليس ثمة سوى ظلام . والحياة بدورها سلسلة صراعات ضد الموت ، إنها هي الأخرى نور متجدد ، وهي نتيجة ملايين من العوامل المتزامنة لو فقد بعضها انعدمت . كما إن حياة كل واحد منا صراع مع الطبيعة ، أوتعرف كم مليار جرثومة هجمت عليك خلال رحلة حياتك بهدف القضاء عليك ، وكم مرة تعرضت أو تتعرض لخطر الموت فنجوت منها بإذن الله ، وحتى على مستوى الظاهر تجد الإنسان في كبد ، يصارع من أجل البقاء في ظلمات الرحم ، ويواجه أكبر التحديات عند الولادة ، حتى اعتبروا ساعتها كساعتي الموت والنشور أشد مما يمر به البشر ، وفي الطفولة المبكرة يعاني من الجوع والعطش والألم ويتحدى الأخطار ، أوليس تشكل نسبة الوفيات عند الأطفال الأعلى في البلاد النامية ونسبة عالية في غيرها ؟ ! . راقب طفلا يتعلم المشي وانظر كم يتقدم وكم يسقط ، وراقبه عند تعلم اللغة كم يعاني من صعوبة ، وراقبه عندما يسعى لإقناع والديه برغبة ملحة كم يبكي ، وكم يجهد نفسه ؟ . كل ذلك جانب من معاناة الطفل . أما معاناة الكبار فإنها لا تنتهي لأن الإنسان خلق شاعرا طموحا ، والشعور يفرز الألم ، والطموح سبيل المعاناة ، وهذا هو الذي يميزه عن سائر الأحياء . [ 5 ] وفي هذه المكابدة يستوي المؤمن والكافر ، والغني والفقير ، والكبير ، والصغير ، وكل من سمي إنسان . قد لا تحس أنت بمعاناة رفيقك لأنك لست في قلبه ، فتزعم أن غيرك أفضل منك ، ولكن أوليسوا هم أيضا بشرا أمثالك . بلى ، إذا تعالوا نرضى بواقعنا ، ونتحمل المسؤولية ، ولا يقول الواحد : الآن أنا صغير ، لو كبرت لارتحت مما أعانيه ، لأن الكبار أفضل ، أو يقول : أنا الآن أعزب لو تزوجت أو أن سبب متاعبي فقري فلو أغناني الله بلغت الراحة ، أو أن سبب
من هدى القرآن — صفحة 201 | السيد محمد تقي المدرسي