ولذلك تتوالى النصوص القرآنية التي تشجع على الاهتمام به .
[ 16 ] والمورد الضروري الآخر للإنفاق هو المسكين القريب . أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ الذي ألصقه الفقر بالتراب .
[ 17 ] ويبدو أن فك الرقبة والإطعام مثلان لاقتحام العقبة ، وأن الكلمة تشمل كل اقتحام لعقبة الهوى ، ومجاهدة لتيار الشهوات ، وإن أعظم ما ابتلي به الإنسان عقبة التسليم للحق ولمن يمثله من البشر كالرسول وخلفائه عبر العصور ، فمن والى الرسول وأئمة الهدى عليهم السلام من خلفائه فقد اقتحمها ، وإلا هوى في النار ، لذلك عبر القرآن عن هذه الطاعة بكلمة ثُمَّ وقال : ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا فإن المسافة بين فك رقبة والإطعام ، وبين الإيمان التام بكل ما أنزل الله واتباع رسول الله مسافة شاسعة ، وإن البشر لا يزال يعمل الخيرات ويقاوم شهوات نفسه حتى يعرج إلى مستوى التسليم لله ، والإيمان برسالاته ، واتباع الرسول وخلفائه المعصومين . والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، وأعظم منه التواصي به ، فإنه قمة التسليم للحق والرضى بالمكاره التي في طريقه ، وأعظم من الصبر الرحمة ، فقد تعبر على أذى الناس وأنت تدعوهم إلى الخير ولكن يمتلئ قلبك بغضا لهم ، بينما المؤمن حقا هو الذي يرحم الناس جميعا وحتى أعدائه تسعهم رحمته ، وأعظم من كل ذلك التواصي بالمرحمة . وإشاعة ثقافة الصبر والرحمة في المجتمع . وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ .
[ 18 ] هؤلاء هم أصحاب الجنة الذين يحظون بالعاقبة الحسنى . أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وهكذا جعل الله شرطا لدخول الجنة يتمثل في اقتحام العقبة ، ومن لم يحقق هذا الشرط الأساسي فإن أمانيه في الجنة تذهب عبثا ، وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
[ هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللهُ عَنْ جَنَّتِهِ ]
« 1 » . وجاء في حديث مأثور :
[ حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَات ]
« 2 » .
[ 19 ] أما الكفار الذي سقطوا في فخ الهوى ، ولم يتساموا إلى مستوى التحدي فإنهم يتهاوون في النار وساءت مصيرا . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ولا يقبل إنفاقهم ، لأن الإيمان شرط مسبق لقبول أي عمل صالح ، والعرب كانت تتشاءم من الشمال وذلك سمتها المشأمة .
[ 20 ] وكما سجنوا أنفسهم في زنزانة الذات ، وصدوها عن رحاب الحق الواسعة ، فإنهم يعذبون بنار مطبقة عليهم ، مغلقة دونهم . عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ نعوذ بالله من هذه العاقبة السوأى .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 34 ، ص 89 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 67 ، ص 78 .