طريقان ، واضحان ، متميزان ، ظاهرة معالمهما ، ومعروف روادهما .
[ 11 ] كل ما في الإنسان يعكس المسؤولية التي حمل إياها ، فقد ألهم الفجور والتقوى ، وأودع في داخله نوازع الشر وحوافز الخير ، وسخرت له الأشياء لكي يستخدمها في واحد من السبيلين ، والسؤال : كيف ينبغي أن يتصرف حتى يحقق المسؤولية التي هي الهدف من خلقه ؟ عليه أن يقتحم ، وما لم يفعل ذلك يبقى وراء جدار التخلف . فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ هل تسلقت الجبال ، وهل صادفك طريق وعر ضيق بين الصخور المتراكمة ، ومن تحتك الوادي العميق ، الحالة النفسية التي يعيشها المتسلق الشجاع هي الحالة المطلوبة في تحدي الصعاب في الحياة وتحمل المسؤوليات ، قمة في الوعي ومضاء في العزم وشجاعة في الإقدام . أية وسوسة أو تردد أو ارتجاج للقدم ، أو أية غفلة وتساهل تكفي سببا للسقوط في الهاوية السحيقة ! .
وقالوا عن الاقتحام : الدخول بسرعة وضغط وشدة ، والعقبة : الطريق الصعب الوعر الذي فيه صعود .
[ 12 - 13 ] وأي شيء العقبة ؟ إنها تجاوز شح النفس ، ومصارعة هواها بالكرم والإيثار . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ قالوا عن فك الرقبة : أنه أشمل من عتق رقبة ، لأن العتق هو تحرير الرق بصورة كاملة ، بينما فك رقبة يكون ذلك بالمشاركة مع الآخرين ، وأوردوا في ذلك حديثا مأثورا عن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الحديث المرفوع عن البراء بن عازب : [ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وَقَالَ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَال صلى الله عليه وآله :
إِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الخُطْبَة لَقَدْ أَعْرَضْتَ المَسْألَة ، أَعْتِقْ النَسمَة وَفُكَ الرَقبَة .
فَقَالَ : أَوَليْسَا وَاحِدَاً ، قَالَ صلى الله عليه وآله :
لَا عتْقُ الرَقَبة أَنْ تَنْفَرِدْ بِعِتْقِهَا ، وَفَك الرَقَبَة أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا ، وَالفَيء عَلى ذِي الرَحِم الظَالِم ، فَإنْ لَم يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِم الجَائِعْ ، وَاسْقِ الظَمآن ، وَأمُرْ بِالمَعْروفِ ، وَانْهَ عَنْ المُنْكَر ، فَإِنْ لَم تُطِقْ ذَلِكَ فَكُف لِسَانكَ إِلا مِنْ خَير ]
« 1 » .
[ 14 ] أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ إن الإطعام جيد وعند المجاعة حيث يحضر النفوسَ الشحُ لا يكاد يغيب عنها ، وينتشر الاستئثار ، ويصبح الناس في هلع شديد ، يكون الإطعام أعظم ثوابا ، لأنه يعتبر تجاوزاً لحالة الشح ، واقتحاماً لعقبة حب الذات .
[ 15 ] والإطعام قد يكون بهدف الحصول على مكسب مادي أو رياء وسمعة ، ويتبين ذلك عادة عند انتخاب موضعه ، فمن الناس من لا يعطي الفقير درهما ولكنه ينفق على الموائد الباذخة ألوف الدنانير . من هنا حدد الله كل الإنفاق وقال : يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ فأولى الناس بالاهتمام بالأيتام أقرباؤهم ، واليتيم ، حلقة ضعيفة في المجتمع ، لضعفه وقلة احترام الناس له ،
هامش
( 1 ) مستدرك الحاكم النيسابوري : ج 2 ، ص 217 ، نور الثقلين : ج 5 ص 583 .