بالقسم بالبلد وبالوالد والولد ، لبيان المشاق التي يواجهها الإنسان ، فما هي العلاقة بينهما ؟ إنها تتمثل في أن أعظم ما يكابده البشر يتصل بالأرض والأولاد .
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ قلنا : أن القسم يهدف إلقاء ظلال من العظمة على الموضوع ، وسوف يحقق هذا الهدف نفيه أو إثباته ، وقد يكون نفي القسم يوحي بأهمية ما يحلف به مما يبالغ في العظمة ، ولذلك قال المفسرون : أن [ لا ] هنا زائدة ، وبعضهم قال : إنها تشبه كلمة كلا ، تنفي أفكار الجاهليين . ولعله ، بل هو الأقرب كما سبق في سورة القيامة أن لا ليست بزائدة ، حيث تكون لا أقسم لعدم الحاجة للقسم ، فهو بمعنى القسم . والبلد - حسب أقوال المفسرين - : مكة ، وشرف مكة واضح .
[ 2 ] ولكن مكة ليست بأشرف من رسول الله صلى الله عليه وآله ، بل شرف كل أرض بمن يسكنها من عباد الله الصالحين ، ولذلك جاء في الحديث :
[ الْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَة ]
« 1 » ويفسر ذلك حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وآله نظر إلى الكعبة فقال :
[ مَرْحَباً بِالْبَيْتِ مَا أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ عَلَى الله وَالله لَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْكَ لِأَنَّ الله حَرَّمَ مِنْكَ وَاحِدَةً وَمِنَ الْمُؤْمِنِ ثَلَاثَةً مَالَهُ وَدَمَهُ وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْء ]
« 2 » أوليست الكعبة أول بيت وضع للناس ، فالهدف إذا هو الإنسان الذي سخرت له الأرض وما فيها ، وأي إنسان أشرف من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله .
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ أي أنت تسكن هذا البلد وتحل فيه ، وقال بعضهم معنى الآية : لا أقسم بالبلد الذي يستحل النبي فيه . وقد روي ذلك مأثورا عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال :
[ وكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ الْحَرَمَ ولَا يُقْسِمُونَ بِهِ يَسْتَحِلُّونَ حُرْمَةَ الله فِيهِ ولَا يَعْرِضُونَ لِمَنْ كَانَ فِيهِ ولَا يُخْرِجُونَ مِنْهُ دَابَّةً فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ( 2 ) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ
قَالَ يُعَظِّمُونَ الْبَلَدَ أَنْ يَحْلِفُوا بِهِ ويَسْتَحِلُّونَ فِيهِ حُرْمَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله ]
« 3 » .
وعلى هذا يكون شرف المكان بتوفر حالة من الحرية والأمن لمن يسكنه .
[ 3 ] ثم يقسم بالقرآن بوالد وما ولد ، فيقول : وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ فمن هما ؟ يبدو أن كل والد يكابد حتى ينمو ولده ويشب ، كما يكابد كل ولد حتى يكتمل ويصبح والدا ، والقسم على هذا مطلق يشمل كل إنسان . وقال بعضهم بل المراد آدم عليه السلام وذريته ، أو إبراهيم عليه السلام ونجله إسماعيل ، أو كل ذريته الصالحين .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 64 ، ص 71 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 64 ، ص 71 .
( 3 ) الكافي : ج 7 ، ص 450 .