إن المدينة وبالذات إذا كانت بمستوى مدن عاد العظيمة علامة بارزة لحضارة الإنسان حتى سميت الحضارة بالمدينة ، لأنها رمز تعاون بناء بين مجاميع كبيرة من الناس ، وسيادة نوع متقدم من القوانين عليهم ، كما إنها تأتي نتيجة تراكم تجارب وجهود عظيمة يتوارثها أهلها جيلا بعد جيل . . . ولكنها عرضة للدمار الشامل إذا تسلط عليها المترفون ، ووجهوها عكس مسيرة الخير والفضيلة ، واتخذوها وسيلة للبطش بالآخرين ، كما فعلت عاد فدمرها الله شر تدمير ، فأين الأحقاف التي كانت مساكنهم بين اليمن وحضرموت ؟ ، وأين قبورهم وآثارهم ؟ ! .
[ 9 ] كذلك ثمود الذين سكنوا شمالي الجزيرة العربية بين المدينة والشام ، فشيدوا لأنفسهم القصور التي اقتطعوها من الجبال المحيطة وحفروها أيضا ملاجئ ومخازن لهم . . إن مصيرهم كان أيضا الدمار .
وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي جابوا : أي قطعوا ، ويقال : يجوب البلاد أي يقطعها ، والوادي : المسير بين الجبال .
[ 10 ] وكانت عاد وثمود وقصة إبادتهم معروفة عند العرب في الجزيرة ، لأنهما كانتا في طرفي الجزيرة ، أما آل فرعون فقد كانت قصتهم مشهورة عند الأمم ، لأنها كانت ذات صبغة عالمية ، وقد سمعتها العرب من أهل الكتاب الذين اتصلوا بهم ، وقد فصلها القرآن تفصيلا في مواضع كثيرة ، وأجملها هنا بكلمات فقال : وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ قالوا : أوتاده أركان سلطته من جنود وعساكر وأموال وأساليب قهر وسلطان ، وقال بعضهم : بل كان يعذب الناس بالأوتاد حيث يشدهم بها إلى أن يموتوا ، وهكذا فعل بآسية : زوجته وماشطة ابنته ، وقال بعضهم : بل الأهرامات التي تشبه الوتد في الأرض . . وأنى كان فقد زعم أن تلك الأوتاد تنقذه من مصيره ! ! .
[ 11 ] ويبدو أن المراد بفرعون هم آل فرعون ، أو هو وأوتاده الذين أيدوه ، فلذلك قال عنهم ربنا سبحانه : الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ذلك أن للإنسان قدرة محدودة لتحمل ضغوط التملك ، فمن الناس من تبطره نعمة تافهة ، ومنهم من إذا امتلك الدنيا يظل قادرا على التصرف بحكمة ورشد ، وإنما يرتفع إلى مستوى ضبط النعم وعدم الوقوع في أسرها والاسترسال مع رياحها إذا كان مؤمنا بالله وباليوم الآخر . وآل فرعون أبطرتهم النعمة ، فلما رأوا النيل يجري في بلادهم بالخيرات ، وقد دانت لهم الشعوب المستضعفة من حولهم ، وقد عرفوا بعض العلوم الجديدة من فن العمارة والزراعة وتحنيط الأموات وما أشبه استكبروا في الأرض وطغوا .
[ 12 ] وهكذا ركبوا مطية الطغيان الجامحة ، وأسكتوا الأصوات المعارضة ، وتسلحوا بمنطق القوة ، واتبعوا نهج الدجل والتضليل ، وأصبحت السلطة مركزا لكل فاسد مفسد ،
من هدى القرآن — صفحة 186
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٦