تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] ، أي كل أهلها . كذلك الليل هنا كان يسري ، لأن السرى استوعبته . [ 5 ] ألا يكفي كل ذلك قسما لمن يملك مسكة من عقل هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ قالوا : معناه لذي لب وعقل ، وأنشدوا :
وكيف يرجى أن تتوب وإنما * يرجى من الفتيان من كان ذا حجر
وقالوا : أصل الكلمة من المنع إذ العقل يمنع الإنسان التردي في الضلال ، وحتى كلمة العقل مأخوذة من ذات المعنى أي المنع والكف فهي من العقال . ويبدو لي أن الحجر أقل قدر من العقل لأنه يُشير إلى شقه التحفظ من العقل دون شق الإدراك بالرغم من أنه مُبتنٍ عنه . وأن المعنى - على هذا - هل في هذا القسم كفاية لمن يملك عقلا أنى كان قليلا ؟ والله العالم . [ 6 ] إذا كنت ممن يكتفي بالقسم ويكتشف الحقائق بعقله بعد أن يُذكر بها فقد جاءك ما يكفي من القسم . إلا أن البعض لا يعي الحقائق إلا بالمزيد من الشواهد ، وبالذات العبر التاريخية التي تهز الضمير هزاً ، وحتى ذوي العقول إذا استمعوا إلى تلك العبر ازدادوا يقينا ، وهكذا ساق القرآن طائفة من تلك العبر وأجملها لأنه كان قد فصلها في مواضع أخرى وقال : أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إنها حقائق مشهودة تُرى بالعين المجردة ، وكلما كانت الحقيقة واضحة استخدم مثل هذا التعبير أَلَمْ تَرَى . [ 7 ] من هم عاد ؟ إنهم عاد الأولى من قبيلة إرم أو الذين سكنوا قرية إرم فبنوا القصور العالية . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ قال بعضهم : إرم جد عاد ، وقال آخر : إليه يجتمع نسب قبيلة ثمود أيضا ، وقال ثالث : إن معنى إرم القديمة ، وأصلها من الرميم حيث أن هناك عادين الأولى وهي القديمة التي قال عنها ربنا : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى [ النجم : 50 ] ، وقال بعضهم : أن الكلمة ليست اسم أشخاص بل منطقة كان يسكنها قوم عاد ، ولا يتنافى أن يكون الاسم مشتركا بين القبيلة وأرضهم حيث كانت العادة تقضي تسمية الأرض باسم أهلها . . . فتكون كلمة ذات صفة لإرم تلك المدينة التي سكنتها عاد ، وكلمة العماد بمعنى الأبنية المرتفعة المرفوعة على العمد ، ولذلك قالت العرب : فلان طويل العماد إذا كان منزله معلماً لزائره . [ 8 ] تلك القبيلة الشديدة التي راجت حولها الأساطير ، وتلك المدينة ذات العمد التي لم يكن لها مثيل في بلاد العالم ذلك اليوم . . ألم تر كيف دمرت عليهم ؟ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وإنما يبني الإنسان المدن لصيانة نفسه من أهوال محتملة من اعتداء مفاجئ أو سيل منهمر أو زلازل وانهيارات أرضية أو ما أشبه ، والذي يدفعه إلى ذلك كله تهربه من الموت ومن عاقبة أعماله ، ولكن تلك الجهود تنفعه ما لم يأت قدره ، فإذا جاء القدر فأين المفر ؟ ! .
من هدى القرآن — صفحة 185 | السيد محمد تقي المدرسي