تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وأما المظلوم والمستضعف والثائر المقهور فإنهم جميعا يزدادون أملا واستقامة وتحديا عندما يعرفون أن الله من الظالمين بالمرصاد ، فلا ينهزمون نفسياً ولا يستسلمون . [ 15 ] لكي يتسامى الإنسان عن حتميات المادة ومؤثراتها الضاغطة ، ولكي يبقى مالكا للدنيا متصرفا فيها لا مملوكا لها مسترسلا معها ، وبالتالي لكي لا تطغيه الثروة والسلطة وتجره إلى الترف والفساد ، يبصرنا الذكر بحكمة المال والقدرة المتمثلة في اختيار إرادة الإنسان وتجربة معدنه ومدى صبره على إغرائها وانسيابه مع جاذبيتها . وليست الثروة دليل كرامة الإنسان عند الله واجتبائه من لدنه ، فلا يستبد به الغرور فيزعم أنه على حق ، ثم يتسافل فيزعم أنه بذاته الحق ، ثم يبلغ به السفه والطغيان إلى الزعم بأنه الرب الأعلى ! كلا . . الثروة مادة اختبار ، وعلى الإنسان أن يتخلص من إغرائها بإنفاقها والتقيد بالحدود الشرعية في جمعها . فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ بلى ، الثروة بذاتها نعمة وكرامة ولكنها في ذات الوقت ابتلاء واختبار ، وهذا هو الخط الفاصل والدقيق في ذات الوقت بين البصيرة الإلهية والتصور البشري ، فليست الثروة رجسا ، وليست كرامة دائما ، بل هي حقيقة بلا هوية بلا صبغة ، وإنما تكتسب هويتها وصبغتها من طريقة تصرف الإنسان فيها . [ 16 ] كما إن الفقر ليس بذاته نقمة ، وإنما النقمة الاستسلام له ، والاعتقاد بأنه دليل مهانة عند الله . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وكانت حكمة ضيق الرزق ابتلاءه ، تراه فقد ثقته بنفسه ، وزعم أنه رجل مهان منبوذ ، وأن واقعه لا يتغير . فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كلا . . الفقر ليس إهانة ، بل هو اختبار ، ورب فقير ذي طمرين لا يؤبه به عند الناس لو أقسم على الله لأبره . أليست الثروة قد تكون على طرق غير مشروعة ، بل عادة تكون كذلك ؟ أوليس الفقر قد يكون لأسباب خارجة عن إرادة الإنسان كأن يولد الإنسان في بلد فقير ومن أبوين معدمين ؟ فكيف تكون الثروة مقياسا للكرامة الإلهية ، وتتحول بذاتها إلى قيمة مقدسة ، ويصبح الفقر معيارا للهوان عند الله ، أداة لتذليل الإنسان وتصغيره ؟ . [ 17 ] كيف يتخلص الإنسان من جواذب المادة وأثقالها ؟ بإكرام الضعفاء والإنفاق عليهم ، وعدم انتهاب أموال المحرومين . أولئك الذين جعلوا المادة قيمة تراهم ممسوخين عن الفطرة السليمة ، فلا تجدهم يكرمون اليتيم الذي يستثير الرحمة والعطف عند البشر السوي ، أنى كان دينه ومستواه . كَلَّا ليس كما تزعمون أن الغنى دليل كرامة الفرد عند الله ، وأن الفقر دليل هوانه ، إنما هما ابتلاء وفتنة . بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وهذا عاقبة المجتمع المادي المرتكس في أوحال المادة وعبادة الثروة وإكرام الغني لغناه . . فهل هذه العاقبة تنسجم مع العاطفة الإنسانية ، وهل يقبلها وجدان بشر أنى كان ؟ كلا . . إن بني آدم مفطورون على العطف على