الضعيف ، وبالذات الطفل الذي يفيض براءة وطيبا ، وإذا كان الطفل يتيما لا يملك قوة ذاتية يدفع عن نفسه الأخطار والأطماع ، ولا حامياً يقيه الشرور ، ولم يحظ بالقدر الكافي من العطف الأبوي - إنه يذيب القلب حناناً - فما أقسى قلب من يهينه ويجافيه ؟ .
كل ذي وجدان يحكم بأن المجتمع الذي يقسوا على اليتيم مجتمع ممسوخ منكوس ، وأن قيمه باطلة ونظامه فاسد . وذلك مقياس سليم وفطري يبينه القرآن في المعرفة ، حيث أنه يدلنا على عاقبة النظام لمعرفة صلاحه أو فساده ، فإننا لا نستطيع أن نحكم على نظام اجتماعي بادعاءاته أو شعاراته ، ولكن نحكم عليه بعاقبته ، فإن وافقت وجداننا الإنساني وانتهى إلى حماية الضعيف وإكرام اليتيم والإنفاق على المحتاج وما أشبه نعرف صلاحه . وهكذا بالنسبة إلى كل شيء لا تدرس بدايته بل راقب نهايته وعاقبته ، حتى تعرف طبيعته .
[ 18 ] في المجتمع الجاهلي حيث يصبح المال قيمة يعيش المعدمون الذين أسكنتهم الفاقة في عناء كبير ، إذ لا يشجع الناس بعضهم للاعتناء بهم . وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ من هو المسكين ؟ إنه بشر مثلي ومثلك أقعدته عوامل قاهرة عن اكتساب رزقه ، ألا ترحمه ؟ تصور لو كنت - لا سمح الله - مثله كيف كنت تتوقع من الناس ؟ أليس من الممكن أن تصبح أنت أو واحدا ممن تحبهم مسكينا ، فهل ترضى أن يطوي ليله جائعاً ، ويعيش الناس من حوله التخمة ؟ وهل يرضى بذلك إنسان ذو ضمير ؟ ! إن أقل ما نقدمه للمسكين الطعام . . إنه حق البهائم والنباتات فكيف بمن هو نظير لنا في الخلق ؟ ! وقد ذكر الرب أنهم لا يأمرون بعضهم بإطعام المسكين لبيان انتكاس المجتمع عن قيم الإنسانية ، فربما منع الواحد بخله عن إطعام المسكين ولكنه مستعد لأمر غيره بذلك ، بل نرى البخيل عادة يتمنى لو أن غيره تكفل عنه بإطعام المحتاج ، أما إذا تردى المجتمع إلى عدم حض بعضهم على إطعام المسكين فقد هبط إلى أسفل السافلين . وهذه هي نهاية اعتبار الغنى كرامة إلهية والفقر ذلا وهوانا .
[ 19 ] والأسوأ من ذلك أكلهم التراث ، والتهام أموال اليتامى جميعا ، حتى إذا كبروا لم يجدوا أمامهم إلا الحرمان والحسرة . وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمّاً قالوا : لَمّاً يعني جمعا ، ومنه قولهم : لم الله شعثه أي جمع ما تفرق من أموره ، ولعل هذه الكلمة تشير إلى الإسراع في أكل التراث لئلا يكبر أهله فيطالبون به ، كما قال سبحانه : وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا [ النساء : 6 ] .
[ 20 ] وهكذا ينحدر الذي يزعم أن الثروة هي أقصى كرامة عند الله إلى درك عبادة المال ، والانسياق مع مصادره ومن يملكه من المترفين . وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً أي حباً كثيرا ، ومنه : جم الماء في الحوض إذا اجتمع وكثر . هذه هي ملامح المجتمع الذي يقدس المال . إنه لا
من هدى القرآن — صفحة 189
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٩