تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
والسعي إلى مكة من كل فج عميق ، بعد الإحرام والكف عن الشهوات بعد التطواف والسعي والوقوف بعرفة ثم بمزدلفة ، بعد كل الإجهاد يأتي فجر العيد المبارك ليمسح بأصابع من نور الرحمة والبركات على رؤوس الحجيج ويمنحهم جائزتهم الكبرى . وبالرغم من أن الليالي العشر سبقت الفجر ، إلا إن الفجر هو الهدف منها ولذلك سبقها بالبيان ، لنعلم أن عاقبة العسر يسر ، وأن ليالي الجهاد والصبر والاستقامة على ظلم الطغاة ستنتهي بفجر النصر المبين بإذن الله ، كما تنتهي ليالي الحج بفجر العيد . وَلَيَالٍ عَشْرٍ قالوا : إن وَلَيَالٍ جاءت بلا ألف ولام للدلالة على التعظيم ، بلى ، وليلة الجهد والتعب طويلة كما ليلة الترقب والانتظار ، وليالي المؤمنين مزيجة أبدا بالجهد المكثف والانتظار معاً فما أطولها . وقال بعضهم : إن هذه الليالي إشارة إلى العشرة الأخيرة من شهر رمضان لما فيها من عظمة . [ 3 ] أقسم بالشفع والوتر ، بيوم العيد ومن قبله يوم عرفة ، وبما هو من العبادات شفع كركعات الصلاة الثنائية والرباعية ، وبما هي منفردة كالوتيرة وصلاة المغرب . قسما بكل زوجين ، وبكل شيء منفرد ، فليذهب خيالك أنى شاء فإنه لن يجد سوى زوج أو فرد فقسما بكل ذلك : إن ربك لبالمرصاد . وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ . [ 4 ] هل وفقت للحج أو تذكرت الإفاضة حيث ينهمر سيل الحجيج من عرفات عبر شعاب الوديان وفوق أكتاف الروابي نحو مزدلفة مهللين مكبرين ، وقد تجردوا عن سماتهم المميزة ، حاسري الرؤوس ، معتمري ثياب الإحرام البسيطة ، وأمامهم هدف واحد يبتغونه وهو مرضاة ربهم ؟ . إنها حقا مسيرة التوحيد ، مسيرة الوحدة ، مسيرة التقوى مسيرة الرحمة . . في تلك الساعة لو كنت قادرا على تجريد نفسك من مؤثرات المسيرة والنظر إليها من الخارج لرأيت عجبا ، رأيت وكان الأرض والسماء تسيران ، وأن الليل بذاته يسير معكم . وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ قسما بتلك الليلة المشهودة : إن مسيرة الحق منتصرة لأن الله من الطغاة بالمرصاد . قالوا : إن المراد من يَسْرِ أنه يُسرى فيه ، كما يقال ليل نائم ونهار صائم ، وأنشدوا :
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم
ولكن لماذا ننسب - بعض الأحيان - الحدث إلى الزمن ؟ أظن أن ذلك يتم عندما يستوعب الحدث الزمان كله ، فالليل النائم هو الذي لا ترى فيه ساهرا ، وكذلك النهار الصائم لا تجد الناس فيه إلا صائمين ، كما قال الله تعالى : أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ [ فصلت : 16 ] لأنه لم يكن في تلك الأيام غير النحوسة . وهكذا إذا استوعب الحدث المكان سمي به ، كما قال الله : وَاسْأَلْ
من هدى القرآن — صفحة 184 | السيد محمد تقي المدرسي