تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
عنها وقع في حرج عظيم . أرأيت الذي يترك الطريق المعبد إلى المتاهات الوعرة ، إنه لا يبلغ أهدافه ، ولو بلغ شيئا منها فإنما بجهد مضاعف . وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى لم يخلق الله الإنسان ليعذبه ، أو ليلهو بخلقه سبحانه ، ولكنه خلقه ليرحمه ، وليتفضل عليه بمنه وكرامته ، كما لم يخلق حيا ليعذبه أو يلهو به ، وأما الذي يقع على البشر من عذاب ومن مشاكل فبما كسبت أيديهم . هكذا فسروا اليسرى بالشريعة السمحاء التي وفق الله النبي وأمته إليها لكي يعيشوا بأمان وسكينة . إنها الشريعة التي تبعث رؤى وبصائر الإنسان من وجدانه ، وتتناسب مع فطرته وحاجاته ، وتنسجم مع الطبيعة من حوله . إن دين الله يختار بين مناهج المعرفة ذلك المنهج القائم على أساس استثارة الفطرة ومخاطبة الوجدان ، ويرغب الإنسان للنظر بنفسه في الأشياء ، وملامسة الحقائق بالسير في الأرض والتفكر في آثار الغابرين ومراقبة ظواهر الطبيعة . ويتبع هذا المنهج في سائر ما يحتاج إليه الإنسان من معارف ، في عقائده وأحكامه ، في معاملته مع الآخرين ، لأن الاطمئنان والثقة والعرف وشهادة العدول ورأي الخبراء هي موازين التعامل بين الناس ، وهي إذا قيست إلى غيرها من المناهج المعقدة في سائر الأديان سهلة وميسرة . كما أن أحكام الدين في المواقيت والمكيال والميزان تتصل بالحالة الطبيعية للإنسان . أرأيت كيف أوجب الصلاة قبل طلوع الشمس وبعد الغروب وعند دلوكها ، وأوجب الصيام مع الهلال الذي يشهده الجميع ؟ ولم يهمل أية حاجة من حوائج البشر ، فلا حرم الزواج ، ولا نهى عن زينة الحياة الدنيا ، ولا ضيع العواطف ، ولا أهمل تطلعات الروح . . وأي شريعة أيسر من التي تتناسب وحاجات البشر ؟ ولعل هذا هو سر انتشار الإسلام عبر القرون بصورة مطردة ، ولا يزال الدين الإسلامي هو الأول في نسبة زيادة عدد المنتمين إليه كل عام . وقد وفق الله رسوله صلى الله عليه وآله لتقبل الوحي ، ويسره له ، ويسر معارف القرآن لمن أراد بتوفيق منه ، ولولا أن الله يسر ذلك لما استطاع العقل معرفة كلمة واحدة من كلمات الرب . [ 9 ] لأن الله يسر شريعته للناس ، ويسر الحياة لهم بها ، أمر بالدعوة إليها عبر المنهاج الميسر المتمثل في التذكرة . أليست التذكرة تستهدف إثارة العقل وإيقاظ الضمير ليبصر الإنسان الحقيقة بنفسه ومن دون حجاب أو وسيط ؟ فَذَكِّرْ ولكن هل التذكرة تنفع الناس جميعا شاؤوا الانتفاع بها أم أبوا ؟ كلا . . إنها لن تنفع من لا يخشى ، لأنها إثارة العقل من داخل الإنسان ، وشرط نفعها استعداد الإنسان للتأثر بها ، أما القلب الجامد الجاحد المتصلب فإنه أشد من الصم الصياخيد ، وهكذا قال ربنا : إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى يعني أن تذكرتك نافعة مع وجود الشروط الموضوعية لها ، أما بدونها فهي لا تنفع ، لا لنقص فيها وإنما للصد من قبلهم ، وهذا لا يعني الكف عن التذكرة أن لم تنفع إذ لا يفهم نفعها أو عدم نفعها إلا بعدها ، وهذا مثل