يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ الْعَسَلِ الذُّبَابُ فِي يَوْمِ الصَّائِفِ وَلَوْ بَدَوْا لَكُمْ لَرَأَيْتُمُوهُمْ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ كُلٌّ بَاسِطٌ يَدَهُ فَاغِرٌ فَاهُ وَلَوْ وُكِّلَ الْعَبْدُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ ]
« 1 » . ويظهر من هذا الحديث : أن الملائكة يذبون الشياطين عن المؤمن لكي لا يؤثروا عليه ماديًّا ومعنويًّا ، ويقوم الحفظة بحفظ أعمال العباد وما تبدى منهم ، من نية وكلمة وفعلة ، قال الله سبحانه : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ( 10 ) كِرَاماً كَاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [ الانفطار : 10 - 12 ] . وهكذا لا يصيب الإنسان مصيبة أو أذى إلا بأذن الله ، إذ لولا ذلك لمنعت عنه الحفظة ، وقد قال ربنا سبحانه : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] .
[ 5 ] ولكي يتأكد الإنسان من الحفظة فليفكر في نشأته : كيف كان نطفة ( في صلب أبيه ثم رحم أمه ) مهانة ضعيفة . من الذي حفظها في مسيرتها الصعبة ؟ أوتدري كم هي الأنظمة الدقيقة التي تحيط بالنطفة وهي تتقلب من طور إلى طور في رحم الأم ؟ وهل كان من الممكن لك وأنت نطفة أن تحفظ نفسك من الأخطار ؟ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ إن هذا النظر يفتح أمام الإنسان آفاقا من المعرفة ، لأنه يهتدي بذلك إلى حقيقة نفسه ومدى ارتكاسها في العبودية والحاجة فيخرج من ظلمة الغرور والكبر والتعالي إلى نور الواقعية والتواضع ، كما إنه ( بالنظر إلى بدء نشأته ) يعرف مستقبله . أوليس الإنسان يعود كما بدأ ؟ .
[ 6 ] من الصعب علينا تصور العدم حيث أنشأنا الباري لا من شيء كان ولا مثال احتذاه ، ولكن أفلا نقدر على تصور المسافة بين النطفة وبين الإنسان المتكامل ؟ إذا لنعرف أن المسافة بين النشأة الأولى حينما خلقنا الله من تراب وحتى جعلنا في صورة نطفة أبعد وأعظم . أما المسافة بين العدم والوجود فإنها لا تقاس بأية مسافة أخرى ، لأن تصور العدم من قبلنا يشبه المستحيل .
دعنا إذا ننظر إلى حيث كنا قطرات من ماء دافق ، ونتساءل : كيف كنا ، والآن كيف صرنا ؟ أفليس الذي حولنا من تلك الحالة إلى حيث نحن بقادر على أن يعيدنا بعد الموت ؟ بلى ، إنه على كل شيء قدير .
خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ينبعث من الصلب إلى الرحم ليستقر في مقام أمين حيث ينشئه خلقا آخر . ولعل كلمة مِنْ هنا تشير إلى أن هذه القطرة المتواضعة ليست كلها منشأ خلق البشر بل شيء منها ، بلى ، فإن خلية واحدة بين ملايين الخلايا هي منشأ خلقة هذا العالم الكبير
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 61 ، ص 314 .