[ 2 ] ما هو الطارق ؟ دع فكرك يجوب في آفاق الخليقة لعله يكتشف ما هو الطارق . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ هذه الكلمة تستثير عقل الإنسان ، كما تبين له أهمية القضية . وقال بعض المفسرين : كلما ذكرت هذه الجملة في القرآن عرف موضوعها ، مثل قوله سبحانه : وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ القدر : 2 - 3 ] ، بينما إذا استخدمت جملة ( وما يدريك ) فإن الموضوع يبقى مجهولا في النص .
[ 3 ] ما هو الطارق إذا ؟ إنه النجم العالي الذي يثقب ضوؤه الباهر جدار الظلام . النَّجْمُ الثَّاقِبُ قالوا : [ الثاقب المضيء ، ومنه شهاب ثاقب ، والعرب تقول : أثقب نارك أي أضئها ، والثقوب ما تشعل به النار من دقاق العيدان ] . واختلفوا في تأويل هذه الكلمة . . والذي يبدو لي إن الطارق هي الأقدار التي تتواصل في الليل والنهار بخيرها وشرها ، ولذلك نستعيذ بالله من طارق السوء حسب النص المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله :
[ وَمِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقاً يَطْرُقُنِي بِخَيْر يا رحمان ]
« 1 » . وفي الدعاء :
[ بِكَ أَسْتَجِيرُ يَا ذَا الْعَفْوِ وَالرِّضْوَانِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمِنْ غِيَرِ الزَّمَانِ وَتَوَاتُرِ الْأَحْزَانِ وَطَوَارِقِ الْحَدَثَانِ وَمِنِ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ قَبْلَ التَّأَهُّبِ وَالْعُدَّةِ ]
« 2 » . وحسب هذا الرأي فإن النجم الثاقب هو بيان لهذا الطارق الذي يشبه النجم الثاقب ، كما قال سبحانه : إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [ الصافات : 10 ] . ويكون القسم - إذا - بتلك الشهب التي يحفظ الله بها السماء من الشياطين الذين يسترقون السمع ، ويكون السياق متناسبا مع الحديث عن حفظه سبحانه لأهل الأرض .
وقيل : [ إن كل نجم يسمى طارقا باعتباره يطلع بالليل ، وعليه فإن القسم بكل نجوم السماء أو النجوم اللامعة ] ، وقال البعض : [ بل النجم هنا هو زحل ، وقد روي ذلك عن الإمام الصادق عليه السلام ] « 3 » ، وقال بعضهم : [ بل هو الثريا ] ، وقال الآخر : [ بل هو الزهرة ] . وقد تتسع العبارات لكل تلك التطبيقات ، ذلك لأن آية نتلوها في سورة الملك يظهر منها أن مصابيح السماء هي رجوم الشياطين أو مراكزهم لرجمهم ، قال ربنا سبحانه : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ [ الملك : 5 ] . فمن المحتمل أن تكون النجوم هي ذات الشهب الطارقة أو أنها مصادر للشهب . يبقى أن نقول : إن المراد من النجم يمكن أن يكون جنس النجم فيشمل سائر الأنجم وليس واحدا منها .
[ 4 ] حينما ينظر الإنسان إلى متانة بناء السماء ، وكيف جعلها الله سقفا محفوظا ، وزرع في
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 83 ، ص 302 .
( 2 ) مفاتيح الجنان : دعاء يوم الأحد .
( 3 ) راجع : نور الثقلين : ج 5 ، ص 549 ، بحار الأنوار : ج 55 ص 82 . جميع الأقوال في النجم .