تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
بينات من الآيات : [ 1 ] أرأيت النجم الذي يطرق بنوره الثاقب في عرض السماء ! أرأيته كيف يدفع الله به شر إبليس وجنوده عن السماء وأهلها والأرض وسكانها ! إنه مثل واحد لحفظ الله ، فقسما به وبالسماء التي يحفظها : إن الله هو الحفيظ ، ولولاه لما استطاع الإنسان أن يعيش لحظة ولا غيره من الأحياء . وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ قالوا : الطرق يعني الدق ، وإنما سمي السبيل طريقا لأن الإنسان يدق عليه برجله ، وزائر الليل سمي طارقا لأنه بحاجة إلى دق الأبواب لتفتح ، ولعل كل قادم تسميه العرب طارقا لأنه هو الآخر يدق الأبواب باعتباره غريبا عن المنطقة . والقسم بالسماء وما يطرق فيها من النجوم الثاقبة يستثير عقل الإنسان ، ويستقطب اهتمامه ، وينفض عن قلبه غبار الغفلة والسبات . . وبالذات حين يكون القسم بالسماء البعيدة عن متناول أيدينا وعن مرامي فكرنا ، وبالطارق الذي يخشاه الإنسان ، فليس كل طارق يطرق بخير . وقد قال الشاعر :
يا راقد الليل مسرورا بأوله * إن الحوادث قد يطرقن أسحارا لا تفرحن بليل طاب أوله * فرب آخر ليل أجج النارا
وحين يرتفع الإنسان إلى أفق التفكير والتدبر في آيات الله في السماء والأرض يقترب من معرفة الحقائق الكبرى ، بينما الذي يعيش في زنزانة مشاكله اليومية ، وهواجس نفسه ووساوس قلبه ، فإنه يحرم التفكر في الآفاق ، ويحرم بالتالي بلوغ الحقائق . ولعل هذا من أهداف القسم في القرآن : الارتفاع بالإنسان إلى آفاق الحقائق بعيدا عما يحيط بفكره من قضايا خاصة لا تنفك تستقطب اهتماماته . والقرآن منهج تفكير قبل أن يكون دائرة للمعارف ، ولذلك فهو لا يهدف مجرد تعليم الإنسان ، بل جعله قادرا على التعلم بذاته ، فهو يفتح مغاليق الفكر بمفاتيح الذكر ، ويبصر الإنسان الحقائق برفع الغشاوات عن قلبه ، ويخرق الحجب التي تستر بصيرته عن رؤية الحقائق باستثارة العقل ونفض غبار الغفلة عن الفؤاد . وسورة الطارق تتجلى بين السور القصار بهذه الميزة . إنها كما النجم الثاقب بنوره الوضيء تطرق أبواب القلب حتى تفتحه أمام شلال النور المنبعث من الوحي .