الخامسة : الصبر والاستقامة في طريق الحق
« وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ » ، وهذه الآية تكشف لنا طبيعة المسيرة الرسالية بأنها مليئة بالضغوط والمشاكل ، لأنها الطريق إلى الجنة التي حُفَّت بالمكاره ، ويجب على كل داعية إلى الله وكل مجاهد أن يعي هذه الحقيقة حين اختار الانتماء إلى حزب الله والعمل في سبيله ، ومن ثم يُعِدُّ نفسه لمواجهة كل التحديات والمكاره بسلاح الصبر والاستقامة .
إن الذي يتصور طريق الحق خاليا من الأشواك يُخطئ فهم الحياة وسنن التغيير . أَوَلستَ تريد بناء كيان الحق على أنقاض الباطل ؟ بلى ؛ فأنت إذن في صراع جذري مع الباطل بكل أثقاله وامتداداته . . مع النظام الفاسد ، والطاغوت المتسلط ، مع الثقافة التبريرية ، مع الإعلام التخديري ، مع التربية الفاسدة ، مع العلاقات المتوترة بين الناس . . وبكلمة : مع تخلف المجتمع الفاسد الذي تسعى لعلاجه ، فلا بد أن تتوقع ردات الفعل المضادة ، والضغوط والتحديات المتوالية والمركزة في طريقك .
وحيث يحتدم الصراع ويصعد مرحلة بعد مرحلة تتضاعف التحديات والضغوط ، الأمر الذي يضع الرسالي ( فردا وحركة ) أمام خيارين : الهزيمة أو الصمود ، وخياره الأصيل هو الاستقامة ، فيجب إذن أن يصبر لربه ، والذي يعني عدة أمور :
الأول : أن يجعل صبره خالصا لوجه الله ، لا يريد إلا رضوانه وثوابه .
الثاني : أن يستقيم على الحق حتى لقاء ربه عز وجل ، كما قال الله : « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ » [ الحجر : 99 ] ، فالصبر إذن ليس له حد كما يزعم البعض الذين يبررون هزيمتهم وتراجعهم ، بل يجب أن يصبر المؤمن ويصبر حتى يلقى ربه .
الثالث : أن يصبر لحكم ربه ويُسَلِّم لقضائه بعد أن يقوم بما ينبغي عمله ثم يترك الأمر لله يُقدِّر فيه ما يشاء ، وهذا معنى التسليم لله والتفويض إليه ، وهو درجة عالية من اليقين تُضَمِّد جراحات الداعية ، وتطمئنه بأن الله ليس بغافل عما يلاقيه ، وهو رقيب على كل شيء ، وسوف ينتقم في المستقبل من أعدائه . وتتضمن الآية تحذيرا موجَّها إلى الكفار والمعاندين بالانتقام ، وهذا ما يفسر العلاقة بينها وبين الآيات القادمة .
[ 10 - 8 ] « فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ » في اللغة :
الناقور جمعه نواقير ، وهو العود أو البوق ينفخ فيه ]
، والنقر هنا بمعنى النفخ ، وكانت هذه الآلة تستخدم قديما لجمع الناس والجيوش في المناسبات ، والذي يقصد بالناقور في هذه الآية الصور ، الذي ينفخ فيه إسرافيل مرة فيصعق من
من هدى القرآن — صفحة 346
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٦