ولقد كان الوليد بن المغيرة من طغاة الجاهلية المترفين ، الذين أقبلت عليهم الدنيا بزينتها ( المال والبنون ) كما وصف الله بقوله : « وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُوداً » وما دام الله هو الذي جعله فإنه قادر على سلبه والذهاب به ، لأنه لم يجعله إلا لحكمة بالغة . والمال الممدود هو الكثير والمتنامي ، قال الطبرسي في المجمع :
ما بين مكة إلى الطائف من الإبل المؤبلة - المُجمَّعة - والخيل المسوَّمة ، والنعم المرحَّلة ، والمستغلات التي لا تنقطع غلتها ، والجواري والعبيد والعين الكثيرة ، وقيل : الذي لا تنقطع غلته عن سنة حتى يدرك غلة سنة أخرى فهو ممدود على الأيام ، وكان له - يعني الوليد - بستان بالطائف لا ينقطع خيره في شتاء ولا صيف ]
« 1 » .
« وَبَنِينَ شُهُوداً » إذ كان له عشرة أولاد « شُهُوداً » حضورا معه بمكة ،
لا يغيبون عنه لغناهم عن ركوب السفر للتجارة ) « 2 »
. وقد كانت كثرة الأولاد - الذكور بالذات - تُعَدُّ من أكبر النعم في ذلك العصر بالخصوص بسبب العادات والظروف الاجتماعية والأمنية الحاكمة . أضف إلى ذلك أن مشيهم مع والدهم
وسيدهم من مظاهر العزة والهيبة بين الناس ، فكيف إذا كان نفسه شيخ عشيرة وصاحب جاه وثروة ؟ ! وإلى هذا المعنى أشار الرازي فقال
: إنهم رجال يشهدون معه المجامع والمحافل ) « 3 » .
وكلمة « وَبَنِينَ » شاملة تتسع لأكثر مما تتسع إليه كلمة الأولاد ، فهي تشمل الأولاد من الصلب ، والأولاد بالتبني ، والأتباع ، لأن بين التابع والمتبوع علاقة التبني ذات الطرفين ، وما أكثر أولئك المصلحيين الذين تحلَّقوا حول الوليد ، ولا يزالون يتبعون المترفين طمعا في أن يصيبهم فُتات من طعامهم .
ثم إنه تعالى حيث أراد به كيدا فتح عليه أبواب الخيرات كي يلقاه في الآخرة وما له من خلاق ، فبالإضافة لنعمتي المال الممدود والبنين الشهود بسط له من فضله ما مهد به سبل العيش الرغيد وذلل العقبات « وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً » ، قال أهل اللغة :
مَهَّدَ الفراش : بسطه ووطَّأه ، والأمر سَوَّاه وسَهَّله وأصلحه ، وتَمَهَّد الرجل : تمكَّن ، والمَهْدَة جمعها مُهُد وهي ما انخفض من الأرض في سهولة واستواء بحيث يتمكن الناس من المشي عليها بسهولة وراحة ]
. وعلى مثل هذا أجمع المفسرون ، قال الرازي :
أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه ، فأتممت عليه نعمتي المال والجاه ، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا ، ولهذا يُدْعَى بهذا فيقال : أدام الله تمهيده ، أي بسطته وتصرفه في الأمور ]
« 4 » ، ومن التمهيد صحة البدن وراحة البال وما أشبه
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 491 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 419 .
( 3 ) التفسير الكبير : ج 30 ص 199 .
( 4 ) المصدر السابق : ص 199 .