وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ إذن فنوره لا يتم بطوع الناس كلهم ، إنما في ظروف من التحدي والصراع بين إرادة الحق وأتباع الباطل ، ينتصر فيها حزب الله رغم أعدائه ، ورغم كرههم وسعيهم لإطفاء نوره بشتى الوسائل والطرق ، فهو ليس محايدا في الصراع بين الحق والباطل ، وإن كانت حكمته تقتضي امتحان المؤمنين وتعريضهم للفتنة بعض الأحيان .
ولكن السؤال : هل إن نوره تعالى كان يشكو النقص حتى يكتمل ؟ . كلا . . فلماذا قال : إنه سيتم نوره ؟ .
والجواب : إن للنور كمالين : الأول في ذاته ، الثاني فيما يتصل بانتشاره ، ونور الدين كامل في ذاته ، ولكن إنما يتم كمالا بانتشاره في آفاق المعمورة ، وذلك بإسقاط كل الحجب التي تمنع اتصال الناس بنور الله . ولعل من مصاديق إتمام النور أن تلتحم مسيرة العقل المزكَّى بالوحي المُنزَل ، فيتحول القرآن إلى برامج ومناهج عملية مفصلة تحكم الحياة وتُسَيِّر البشرية على سبيل الهدى والصواب . أفتدري كيف ؟ ، بأن يتكامل عقل الإنسان بزيادة علمه في كافة الحقول حتى يكتشف المزيد من أسرار الدين ويقتنع الجميع بأنه مُنزَل من عند الله ، فيصبح الدين ضرورة علمية بعد أن كان ضرورة نفسية واجتماعية ، وهنالك يكشف الله الغطاء عن وجه وليه الأعظم مهدي هذه الأمة الذي وعد الرسول بظهوره في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطاً وعدلًا بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً .
إذن كتاب الله كامل ، وإنما الناس بحاجة إلى الارتفاع إلى مستواه بالتدبر والتعلم حتى يتم الله نوره .
وهذه الآية والتي تليها تحلان جدلا حول مسيرة البشرية هل هي نحو التكامل أو الانحطاط ، فحسب النظرية الدينية التقليدية ، قال بعضهم : إنها تتجه نحو الانتكاس ، واحتجوا على ذلك بأن حوادث القيامة التي تطوى بها صفحة الحياة الدنيا إنما تقع نتيجة لوصول البشرية إلى منتهى الانحراف ، ونقل البعض عن النبي ما نصه :
« إِنَّ خَيْرَ القُرُونِ قَرْنَيْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، حَتَّى يَأْتِي أُناسٍ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ »
« 1 » ، ورووا عن الرسول صلى الله عليه وآله قوله :
« لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونُ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ . . »
« 2 » ، وانطلقوا من ذلك في تقييم مسيرة الأجيال وأنها تسير نحو الانحطاط .
وقال آخرون : بل الحياة تسير نحو التكامل ، وهذا ما نستلهمه من آيات القرآن ومن
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير : ج 3 ، ص 331 : عن الصحيحين .
( 2 ) كنز العمال : ج 14 ، ص 221 ، حديث : 38476 .