وفي دار الدنيا متمثلًا في النصر والفتح والتحرر . . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ قيل : بشِّرهم بالنصر لما في ذلك من السرور ورفع المعنويات ، ويبدو لي أن البشارة هنا تنصرف أيضا إلى أشياء أخرى غير الجنة والنصر ، من أبرزها لقاء الله ورضوانه . وهنا ملاحظة نستوحيها من أمر الله للرسول بتبشير المؤمنين هي أن على القائد أن يثبت روح الأمل والرجاء في صفوف أتباعه على الدوام ، ليرفع من معنوياتهم ، ولكيلا يفقدوا حماسهم وأملهم بسبب التحديات التي في الطريق .
وهذه الآيات الكريمة تحدد الاستراتيجيات الأساسية للجهاد ، فهو على صعيد الآخرة وقبل كل شيء يجب أن يستهدف النجاة من النار وغفران الله وكذلك الجنة ، وعلى صعيد الدنيا النصر والفتح ، والفتح أشمل من النصر ، فالنصر هو هزيمة العدو عسكريًّا وقد يكون محدودا ، في حين أن الفتح هو الانتصار الشامل وفي كل الأبعاد .
وتأكيد ربنا على أن الهدف الأخروي هو الغاية العظمى للجهاد من شأنه السمو بروح المؤمنين إلى سماء القرب من الله ، وعلاج أي حالة من حالات التوقف التي قد يبتلى بها المجاهدون بسبب اليأس من طول الانتصار ، فإن الجهاد ليس موضوعا للانتصار على العدو وحسب بل لنيل رضوان الله ، وهو واجب شرعي وفريضة كالصلاة والصيام لا يسقطها عن كاهل المجتمع أو التجمعات الرسالية مجرد أن يكون الانتصار صعبا أو بعيد المنال .
[ 14 ] وتأتي خاتمة السورة لتشير إلى المراحل الأساسية في الحركات الرسالية ، وهي أربع مراحل :
الأولى : انبعاث القائد الرسالي في المجتمع ، والذي يمثل البذرة الأولى والأساسية للحركة والتغيير .
الثانية : التفاف مجموعة من الناس حوله ، وإيمانهم بفكره ، وتسليمهم لقيادتهم ، وهم الطلائع .
الثالثة : توسع دائرة الحركة وتيارها في المجتمع ، الأمر الذي يقسمه إلى جبهتين : جبهة الحق ، وجبهة الكفر ، مما ينتهي به إلى الصراع .
الرابعة : انتصار الحق وأهله على جبهة الباطل كعاقبة نهائية للصراع .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ جمع حواري وهم الخُلَّص الخواص من أتباعه ، قيل : [ سُمُّوا حواريين لأنهم كانوا قَصَّارين حيث إن الله - حسب
من هدى القرآن — صفحة 448
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٤٨