بينها هاتان الآيتان ، فإنهما تنطويان على بشارة بأن الكمال ينتظر البشرية في المستقبل ، وأن نور الله سوف يتم يوماً من الأيام ليشمل كل الأرض ويهيمن على الناس جميعاً . وهكذا جعل ربنا خاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله أفضلهم . ولا غرابة حينئذ لو قرأنا الأخبار القائلة بأن آخر أوصيائه الاثنا عشر من ولده هو الذي ينهض بأعباء تلك النهضة العالمية نحو قمة السعادة والكمال .
قال علي بن إبراهيم القمي رضي الله عنه : وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ
بِالقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله إِذَا خَرَجَ لَيُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ حَتَّى لَا يُعْبَدَ غَيْرُ الله وهو قوله
عليه السلام :
« يَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً »
« 1 » ، وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
« حَتَّى لَا يَبْقَى قَرْيَةٌ إِلَّا وَنُودِيَ فِيهَا بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله بُكْرَةً وَعَشِيّاً »
« 2 » بلى ؛ لو قسنا مسيرة البشرية بالساعات والأيام فقد نجد بعض أمارات التراجع ، وربما واجهتنا بعض الانتكاسات ، ولكن المحصلة النهائية القائمة على أساس الأرقام الاستراتيجية ( بالأجيال والقرون ) تهدينا إلى أن المسيرة تتجه نحو الأمام ، فليس من شك أن حال البشرية الآن خير مما كانت عليه قبل قرنين من الزمن لو اتخذنا مجمل القيم الدينية مقياسا ، كالتقدم العلمي ، والرفاه ، والحرية و . . .
ونجد في الآيتين الكريمتين بيانا لمسيرة الصراع بين الأفكار والأمم ، ففي المرحلة الأولى يدور الصراع بين الفلسفات الدينية والقيم البشرية ، فتنتصر الفكرة الدينية على الأخرى . وها نحن نلاحظ بشائر عودة الناس إلى الدين ونبذهم للكفر بالله عز وجل ، وأظهر تلك البشائر ما نجده اليوم من تراجع سريع وواسع للمد الإلحادي ( ومنه الشيوعية ) في سائر أنحاء العالم ، وسوف يستمر هذا التحول حتى يأتي اليوم الذي تعود البشرية بمعظمها إلى الله والدين . فتبدأ المرحلة الثانية والتي يدور فيها الصراع بين الدين الخالص والأديان المحرَّفة ، وقد تكفَّل ربنا بإظهار دينه الحق على كل الأديان هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ .
وعلى خاتمة هذه المرحلة ينتصر الله بوليه الأعظم الإمام الحجة بن الحسن عليه السلام لدينه الخالص . وحيث حدثتنا الآية الثامنة عن المرحلة الأولى جاءت خاتمتها : وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ، واختتم الآية التاسعة بالقول : وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ لأن الذين يعاكسونهم إنما هم أتباع التوحيد الخالص من دنس الشرك والارتياب ! .
[ 10 - 13 ] ولأن هذا التكامل يتحقق عبر عشرات الألوف من المواجهات الممتدة عبر قرون متطاولة فإنه لا يخص عصرا أو طائفة أو جهة ، إنما هي سنة إلهية ، كسنة الضياء
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 51 ، ص 49 ، تفسير القمي : ج 2 ، ص 365 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 51 ، ص 60 .