وَيَحْلِفُونَ بكل ما يؤدي غرض الحلف ، من قسم ، وتظاهر بالإسلام تكلفا من خلال الشعارات عَلَى الْكَذِبِ يعني ادعاء الإسلام والإيمان وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم ليسوا على شيء من الإسلام ، وليسوا من المسلمين ، إنما يريدون بذلك تضليل الآخرين عن أهدافهم الحقيقية لعلمهم بأن وعي الأمة بواقعهم كفيل بإسقاطهم ، وإحباط مؤامراتهم ، وإننا لنشاهد اليوم صورة لهذا الخط يمثلها الحكام المنافقون ، والحركات المتغربة الذين يتظاهرون بشعارات إسلامية مكرا وكذبا .
[ 15 - 16 ] وهؤلاء جميعا وأمثالهم يتوعدهم الله بالعذاب الشديد جزاء أعمالهم السيئة . أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً وإعداد الله لا يعني التكلف تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً ، إنما هم يقبلون على عذاب مهيَّأ ينتظرهم ، وإذا استطاعوا الهرب عن لومة اللائمين في الدنيا ، وردات فعل المؤمنين ، فإنهم لن يفلتوا من جزاء الله على أسوأ الأعمال وأقذرها وهو النفاق والازدواجية في الشخصية والانتماء .
إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إذ يتولون أعداء الأمة الإسلامية ، وأعداء الله ، ويتسترون بالنفاق ، والحلف والأيمان المغلظة ، وقد جاء في الأخبار أنهم كانوا يتجسسون لصالح اليهود ، فيرفعون لهم أخبار الأمة وأسرارها الحساسة ، كما هو حال المنافقين في كل عصر ومصر ، وجاء في بعض الأخبار أنهم كانوا يكتبون ما في التوراة وينشرونها بين المسلمين مما يحدث عندهم بلبلة فكرية .
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً أي تدرَّعوا بالحلف والأقسام المغلظة ، واستتروا بمظاهر الإيمان ، حتى لا تنكشف سرائرهم وحقيقتهم للأمة الإسلامية ، وراحوا يعملون لتحقيق أهدافهم الخيانية السيئة ، ويزدادون بذلك ضلالا إلى ضلالهم ، ويضلون بأساليبهم الماكرة ما يستطيعون من الناس ، وبالذات أولئك البسطاء الذين تخدعهم المظاهر لقلة وعيهم .
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أنفسهم وغيرهم ، وهم إنما نافقوا وتستروا بالإيمان لكي يبعدوا عن أنفسهم ذل الدنيا بالفضيحة والخزي عند المؤمنين ، ولكي يبلغوا ما يتصورنه عزًّا وكرامة ، من المناصب والمغانم الدنيوية ، ولذلك فإنهم يستحقون إضافة إلى الشدة في العذاب أن يكون مهينا فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ .
ويبقى سؤال : ما هو سبيل الله الذي صدوا عنه ؟ لا ريب أن كل خير هو سبيل الله بيد أن أقرب السبل إليه الجهاد في سبيله ، وهو الأشهر استخداما في النصوص . وإنها لسمة بارزة لخط النفاق تقاعسه عن الجهاد ، وصد الناس عنه بالإشاعات الباطلة أو بوسائل أخرى .
من هدى القرآن — صفحة 346
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٦