تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
كما جعلت التذكرة غاية الخلق في قوله سبحانه في هذه السورة : - وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الذاريات : 49 ] . وهكذا جعل التعقُّل هدفا في قوله سبحانه : - وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ غافر : 67 ] . كما جعل الابتلاء هدفا أساسيا للخلق في آياته عديدة كقوله سبحانه : - الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] . والامتحان بدوره سبيل لتكامل الإنسان ، وتطهيره من الجوانب السلبية فيه . التكامل . . الهدف الأسمى من خلال البصائر التي ذكرت نعرف : أن تسامي الإنسان في معارج القرب - المعنوي - من الله سبحانه هو الهدف الأسمى لخلقه ، ويتمثل ذلك في تحريره من نَير العبوديات ، وتطهير قلبه من غل الهوى والشهوات ، وتساميه في مدارج المعرفة بالله سبحانه ، والتقرب إليه بالصالحات . وإذا تسامى الإنسان إلى حيث القرب من الله فإن رضوان الله وغفرانه ورحماته وسائر نعمائه وآلائه يكون كل ذلك قد سبقته هناك لتشمله ، ومن هو أولى من الله بأن يقري عبده الذي حلَّ بجنابه ضيفا ، ومن هنا جعلت الرحمة هدفا للخلق في آية كريمة حيث يقول سبحانه : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود : 118 - 119 ] . [ 57 ] ولكن الغاية التي نتحدث عنها ليست بمعنى العلة التي لدينا فنحن إذا فعلنا شيئا فلا بد من علة تدفعنا إليه ، وغاية نسعى إليها . فالعطش علة الشرب ، والجوع علة الأكل ، والرقة علة العطف ، أما الإرواء والشبع والإحسان فهي أهداف وغايات . وتعالى الله عن أن يكون لفعله سبب ويدفعه ، وعلة تجأره ، وتجبره . إنه الغني الحميد ، عطاؤه محض رحمة منه ، وفضله محض إرادة ، لا يبرمه إلحاح الملحين ، وكما جاء في الدعاء : [ إِلَهِي تَقَدَّسَ رِضَاكَ أَنْ تَكُونَ لَهُ عِلَّةٌ مِنْكَ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ عِلَّةٌ مِنِّي ، إِلَهِي أَنْتَ الغَنِيُّ بِذَاتِكَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ النَّفْعُ مِنْكَ فَكَيْفَ لَا تَكُونُ غَنِيّاً عَنِّي ] « 1 » .
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 95 ، ص 226 ، باب : 2 - أعمال خصوص يوم عرفة وليلتها .