إن الرب هو الغني الحميد ، وحيث إنه تعالى خلقه لغاية جليلة .
ما هي الغاية الأسمى لخلق الجن والإنس ؟ الخليقة سخِّرت للإنسان ، الشمس والقمر ، والسحاب والرياح ، والسهل والجبل ، والأنعام والطيور والأسماك و . . ، كلها مسخرات للإنسان . أو لا نتفكر هل الممكن أن تكون خلقة البشر بلا هدف ؟
كل شيء يخدم هدفا ، بل لكل جزيئة من جزيئات وجود كل شيء غاية . أفيمكن ألا تكون لوجود الإنسان - سيد مخلوقات كوكبنا - أية غاية ؟ !
أو يتخذ رب السماوات والأرض من الخلق لعبا - سبحانه - وهو الغني الحميد ، والعليم الحكيم ؟ !
تعالوا إذا نتفكر : هل خلق أي عضو من أعضاء أجسادنا عبثا ، حتى ولو كانت قطعة من المصران ، أو غدة صغيرة ، أو حتى خلية واحدة ، وإذا كان الجواب بالنفي حسب كل معلومات الطب والفسلجة ، فكيف يكون مجمل خلق الإنسان بلا هدف ؟ !
فما هو الهدف إذن ؟
أو يكفي أن نجعل الهدف الطعام والشراب . دعنا نستنطق عقولنا ، ووجدان قلوبنا ؟ ! أو نقتنع من أنفسنا أن نأكل ونشرب ونتمتع . أو لأنا نجد فراغا كبيرا لا بد أن نملأه بغير اللذات العاجلة .
إننا نسعى جميعا نحو العلم والفضيلة ، ونعطي لهما قيمة أسمى من قيمة الثروة والقوة ، ونتساءل : ما هي أعلى درجات العلم ؟ أوَلَيست معرفة الله الذي نعرف به حقيقة أنفسنا ، والواقع المحيط بنا . فمن دون معرفة الله تبقى كل الأسئلة حائرة .
كذلك أسمى درجات الفضيلة تقوى الله ، وابتغاء مرضاته ، والقرب منه .
وتتلخص معرفة الله وتقواه في كلمة العبادة ، التي يجعلها القرآن الكريم غاية خلقة البشر فيقول : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فما هي العبادة ؟ .
قالوا : [ أصل العبودية الخضوع والذل ، والتعبيد : التذليل ، يقال : طريق معبد ] « 1 » ، ويبدو لي أن أصل معنى العبودية ليس التذلل والخضوع - كما قالوا - بالرغم من أن ذلك من لوازمها ، بل صلاح الشيء بحيث يكون مهيأ للاستفادة أو بتعبير آخر : عدم وجود ما يمنع الانتفاع منه ،
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 17 ص 56 .