وإن اللام الذي جيء بها في سياق بيان الهدف من الخلق لِيَعْبُدُونِ ليس بمعنى : أن الله سبحانه سعى نحو هذه الغاية بهذه الوسيلة - وهو الغني بذاته - وإنما بمعنى : أنه قدر وقضى ليكون ذلك وسيلتنا إليه ، وطريق سعينا ابتغاء مرضاته ، ومدارج كمالنا في وجودنا ، كما أن الطهارة غاية الوضوء ، وذكر الله هدف الصلاة ، والتقوى نتيجة الصيام ، فإن العبادة غاية الخلق ومحتوى ما أمر الإسلام به من واجبات .
ولعله لذلك أكد ربنا على أنه غني بذاته عن خلقه ، وعن أي فعل يمارسونه فقال سبحانه : مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ فلا يتصور أي فائدة تصل إلى الله - سبحانه - من خلال خلقه .
ويبدو أن الفارق بين الرزق والإطعام هو أن الرزق يستمر ، بينما قد يكون الطعام مرة واحدة ، وقد لوحظ في كل منهما معنى الاستفادة والمنفعة ، وكأن المرزوق يعتمد في بقائه على الرزق أو الطعام الذي هو مفردة من مفردات الرزق .
[ 58 ] وكيف يحتاج إلى الرزق من يعتمد عليه الخلائق جميعا في حياتهم ، فلولا دوام فضله ، وتواتر نعمه ، وتواصل رزقه لم يبق شيء مخلوق .
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ والرزاق لا يكون مرزوقا ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فلا ضعف فيه حتى يحتاج إلى الطعام ، ولا نقص حتى يحتاج إلى إتمام ، وقوته ليست عرضية بل هو متين شديد ، فهو سبحانه لا يغلب ولا تلحقه مشقة في أفعاله أو رهق .
وربما تدل الآية على أن رزق الله - سبحانه - يتوالى على عباده بعبادتهم ، وكذلك قال ربنا سبحانه على لسان نبيه الكريم نوح عليه السلام : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [ نوح : 10 - 12 ] .
[ 59 ] ولتبقى مصائر الغابرين عبرة للأجيال ، ولا بد أن نعرف أنها خاضعة لسنة إلهية لا تتبدل ولا تتغير ، فلقد أهلك الظالمين لظلمهم ، وسوف يهلك من سار على دربهم عاجلا أو آجلا فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ وما لهم يستعجلون الله ورسوله في عذاب يصيبهم ، تقدم أو تأخر وهل يستعجل أحد هلاكه ؟ !
قالوا : الذنوب : الفرس ذو الذنب الطويل ، وسمي به الدلو الكبير الذي يربط في نهايته الحبل لتسهيل عملية التفريغ ، ويبدو أن العرب كانوا يتعاونون في نزح مثل هذا الدلو على أن
من هدى القرآن — صفحة 438
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٣٨