والعدل والأمن وسيلة التقدم الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [ الأنعام : 82 ] وهكذا .
ولذلك جعلت معرفة الله أو معرفة آياته هدفا من أهداف الخلق حسب ما قرأنا في النص السابق ونقرؤه في قوله سبحانه : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [ الطلاق : 12 ] .
ولكن كيف يمكن بلوغ كمال المعرفة الإلهية ، من دون التسليم له ، وطاعته وعبادته . إن التسليم لله ولسننه وهو أحد أبعاد العبادة إذ خلق الله الأشياء بقدر إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] ، ومَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [ الروم : 8 ] ، وهكذا يهدي الله خلقه للوئام مع السنن قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [ طه : 50 ] ، نعم هذا الإنسان له فسحة من الاختيار والتسليم هو طريقه الهداية لمعرفة السبيل إلى الله والانسجام مع المسيرة الكونية ، علماً بأن معرفته لا تكون إلا به ، وكيف يكون غيره دالا عليه ، وبنوره أشرقت السماوات والأرض ، أو يكون لغيره من الظهور ما ليس له حتى يكون هو المظهر له سبحانه ؟ !
وهو لا يمنح معرفته إلا لمن سلم له ، وعبده وحده ، وهكذا تكون العبادة هدفا للخلق لأنها السبيل إلى المعرفة .
ثالثاً : هل يمكن أن يبلغ الإنسان الفلاح في الدنيا والآخرة من دون شريعة واضحة يسير عليها ، وهل يمكن تطبيق الشريعة بغير الإيمان بالله ، والتسليم لأوامره ، وهل يمكن تطهير القلب من أدرانه ، وتحريره من أغلاله بغير معرفة الله ، التي تجعل النفوس في رحاب قدسه ، بعيدة عن الأنانية والشح ، والغضب ، وثائرة الشهوات ؟ ! كلا . . إن معرفة الله ، والتسليم له هما السبيل إلى طرد جنود الشيطان من القلب ، وتنظيفه من وساوسه ، وظنونه ، وأمانيه ، وتخلقه بأخلاق الرب ، وتأديبه بآدابه السامية من الكرم ، والإيثار ، والإحسان ، والتقوى ، وحب الخير وأهله ، لذلك نجد في آيات الذكر ما يوحي بأن هدف الخلق هو الخلق الرفيع . لنقرأ الآيات التالية :
في تسع آيات قرآنية جعل الله الشكر هدفاً لنعمة الخلق أو سائر النعم كقوله سبحانه :
- وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [ النحل : 78 ] .
- لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ الجاثية : 12 ] .
من هدى القرآن — صفحة 436
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٣٦