الشارب ، لاكتمال حيويته ] « 1 » .
وإذا صح هذا التفسير فقد بشَّرته الملائكة بولد ذكر ، يرعاه الرب حتى يبلغ أشده ، ولعل وصفه ب عَلِيمٍ يدل على ذلك ، إذ من المعروف أن الغلام لم يولد عليما ، بل نما حتى أضحى كذلك عندما أصبح غلاما . يا لها من بشارة كبرى لمن بلغ من العمر عتيا ، وحسب التوراة ، وبعض المفسرين : [ كان قد جاوزت سنه المئة ، أما زوجته سارة فقد بلغت التسعين ] « 2 » .
إنه قد قضى عمرا ممتدا ، يدعو إلى ربه ولم يؤمن به إلا قليل ، والآن حيث يكاد يودع الحياة لا يفكر إلا في من يحمل مشعل الدعوة ، ويحقق آمال داعية التوحيد الكبير الذي كاد يكون وحيدا في عالم كان يغوص في دنس الشرك ، وظلام الجاهلية .
يا لها من بشارة عظيمة : أن يستجيب الرب لعبده رأفة به ، وتخليدا لذكره في الآخرين ، فيرزقه ولدا يرعاه حتى يصبح غلاما ويعلمه حتى يضحى عليما .
[ 29 ] وسمعت زوجته ( سارة ) بهذه البشارة ، ربما لقربها من الضيوف حيث كانت تخدمهم ، أو لأنها جاءت إليهم فأخبرت بها فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ تصيح صياحا يشبه صوت الريح لما أصابها من فرحة مزيجة بالعجب ! ! فَصَكَّتْ وَجْهَهَا أي ضربته - على عادة النساء العجائز عند مواجهتهن لموقف لا يحتملنه - وعبرت عن عمق تعجبها من هذه البشارة العظيمة وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ فهل ألد وأنا عجوز يائس ؟ ! بل كيف ألد وأنا امرأة عقيمة ، ولم أنجب في شبابي ؟ !
[ 30 ] قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ نعم ، هكذا قال الله القدير ، فرزق ، ولأنه أراد إثبات هذه الحقيقة أنه وهب عجوزا عقيما غلاما عليما .
إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ولم يذكر القرآن شيئا عن رد فعل إبراهيم عليه السلام لماذا ؟ ربما لأن إنجاب رجل كبير في مثل سنه ممكن وإن كان بعيداً بعكس امرأة عقيم في مثل عمرها ، والدليل على ذلك أن إبراهيم عليه السلام تزوج بهاجر فأنجبت له إسماعيل عليه السلام . والمعروف أن الولد كان ( إسحاق ) وتدل على ذلك الآية المباركة : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ [ الصافات : 112 ] . وهذه الحادثة توحي ببصائر ثلاث :
أولًا : أن الله قادر على تغيير ما نعرفه من السنن بقضائه النافذ ، وحكمه الذي يرد .
هامش
( 1 ) معجم ألفاظ القرآن الكريم الصادر عن مجمع البيان العلمي : ج 2 ص 272 .
( 2 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 47 .