تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
وَمَا تُوعَدُونَ فَمِنْ أَيْنَ يُطْلَبُ الرِّزْقُ إِلَّا مِنْ مَوْضِعِهِ ، ومَوْضِعُ الرِّزْقِ ومَا وَعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ السَّمَاءُ ] « 1 » . [ 23 ] أقرب الأشياء إليك نفسك ، وتتجلى النفس لذاتها حين تفكر ، وأعظم لحظات التفكر هي عندما تنطق ، وإذا قال بعضهم : أنا أفكر فإذا أنا موجود . وقال آخر : الإنسان حيوان ناطق فلأن التفكر حالة يقظة النفس لذاتها ، أما النطق فهو ذروة هذه اليقظة . وقد يشك العقل في معطيات الحواس لأن بعض أحاسيس الأذن طنين الدم من داخل البدن ، والبصر قد يزيغ واليد قد تصاب بالبرد دون سبب خارجي . أما النطق فلا يشك العقل فيه لأنه من أعظم آيات الله في البدن ، ومن أصعب الفعاليات عند البشر ، حيث يشترك فيه الجسم والروح معا . إنه قمة الوعي عند الإنسان ، لا يشك فيه أحد حتى المثاليون والسوفسطائيون يزعمون بأنهم على يقين من أنهم ينطقون ، وعلى ثقة بما يقولون . من هنا يحلف القرآن يمينا برب السماء أن وعد الله حق ، وأن البعث والنشور حق ، كما أن نطق الإنسان حق عند نفسه . فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ وحين يكون القسم برب السماء والأرض يكون أقرب إلى وعينا - نحن البشر - لأننا نعرف شيئا من ضخامة السماء والأرض ، فلا بد أن نهتدي بذلك إلى بعض جوانب قدرة الرب وتدبيره إذا عرفنا أنه - سبحانه - هو رب السماء والأرض . ثم يكون التأكيد بالغا حيث يضاف إلى القسم أن ولام التأكيد ، ويشتد التأكيد بأن يضرب له مثل الحق بحالة النطق . وقال البعض : إن النطق هو سمة أساسية في حضارة الإنسان ، فمن دونه كيف كانت التجارب تنتقل من شخص لآخر ، ومن جيل لجيل ناشئ . وقالوا : إن القسم هو على ضمان الرزق وعلى استجابة الدعاء اللذين ذكرا في الآية السابقة ، ويبدو لي أنه على كل الحقائق التي تواصلت في الآيات السابقة وأبرزها حقيقة الجزاء في الدنيا والآخرة . [ 24 ] وهذا مثل ظاهر لما في السماء من رزق ومن وعد مستوحى من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام حينما جاءته الملائكة يبشرونه باستجابة دعائه في نفسه ( بغلام ) وفي قوم لوط ( بإهلاك الكافرين ) .
هامش
( 1 ) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 325 .
من هدى القرآن — صفحة 418 | السيد محمد تقي المدرسي