إن استجابة الدعاء في الذرية التي نزلت بها الملائكة كانت أعظم نعمة ينزلها الله على بشر ، فلقد وهب الله له غلاما زكيا يرفع اسمه ، ويصبح امتدادا لرسالته كما أن الوعد بإهلاك قوم لوط كان أعظم ما ينتظره الرسول بعد أن يكمل رسالته .
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ان الضيافة كانت جانبا مهماً من ثقافة العرب ، وكانت للضيف مكانة خاصة عندهم ، ولعله لذلك يتخذه القرآن وسيلة لبيان الحقائق التاريخية ، ويقول عن ضيوف إبراهيم : الْمُكْرَمِينَ لقد أكرمهم إبراهيم بضيافته وخدمته لهم .
[ 25 ] إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ حينما دخلوا عليه قالوا : سَلاماً ، فرد سلامهم قائلا : سَلامٌ ، وكأنهم استأذنوه فأذن لهم . ولكنه لم يعرفهم ، فقال لهم : أنا لا أعرفكم أو أسرَّه في نفسه قَوْمٌ مُنكَرُونَ حيث نظر إليهم فعرف بأنهم ليسوا من أهل بلده ، ولعل صورهم لم تكن مطابقة مع صور البشر ، إنما كانوا يشبهون البشر فقط .
[ 26 ] بعد ذلك جلسوا ، فتسللَّ نبي الله الكريم إلى أهله : فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ أي ذهب بخفية . وهذه من الآداب التي تتعلق بإكرام الضيف ، إذا ليس من اللائق أن يقول المضيف لضيفه : أتأكل كذا ، أو ماذا تشرب ؟
فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ جلب لهم عجلا قد شوي على النار ، ولعله فعل ذلك بالرغم من قلة عدد الضيوف ( 3 أو 4 أو على الأكثر 9 ) لمزيد من الإكرام ، أو لأنهم كانوا ضخاما ، أو لكي يطعم بفاضل طعامهم سائر المساكين ، وهذا كان ولا يزال من سنن الكرماء .
[ 27 ] فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ودعاهم إلى الطعام ، فلم ير أيديهم تصل إلى العجل قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ .
[ 28 ] فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ولعل السبب في إحساسه بالخوف منهم أنه كان من عادة من يضمر شرّاً ألا يأكل من بيت عدوه حتى لا يتصف بالغدر . وهكذا قالوا : من لم يأكل طعامك لم يحفظ ذمامك .
قَالُوا لا تَخَفْ وما لبثوا أن بشَّروه بتحقق أمنيته التي كادت تخيب لكبر سنه . وقد جاءت البشارة بعد الخوف ليكون أبلغ أثرا وأحلى .
وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ويبدو أن الغلام ليس مجرد الذكر من الأولاد - حسب بعض علماء اللغة - بل : [ يلحظ في المادة معنى أخص من النشاط لما هو أصل الحياة ، فيقال : غلم كفرح : هاج شهوة ، والغلمة : شهوة الضراب ، ومن هذا يطلق الغلام على الفتى الذكر الطَّار
من هدى القرآن — صفحة 419
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤١٩