أصحابهم وأتباعهم بالعمل لا بالكلام ، والإمام الصادق عليه السلام يقول :
[ كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ ]
« 1 » يعني بسلوككم وعملكم ، لأن ذلك أمضى أثرا في واقع الناس ونفوسهم ، وأكبر دلالة على خط الإنسان وفكره ، ولقد قرأنا في الدرس السابق كيف أن الرسولصلى الله عليه وآله حينما أمر المسلمين بحلق رؤوسهم ونحر بدنهم رفض أكثرهم فبادر شخصيا إلى ذلك فتهافتوا للحلق والنحر .
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى إن ألفاظ الرسالة تتعرض للتلاعب من قبل المنافقين ، كما أنها تحتمل التأويل والتفسير ، بينما الشهادة العملية تبقى حجة جلية بالغة ، لا تحتمل أكثر من تفسيرها الواقعي ، فلو أمر الرسول صلى الله عليه وآله الناس بالصدق وبالأمانة بمجرد الكلام ، دون أن يجسد لهم هذين المعنيين ، لكان الكثير من المسلمين يكذب أو يخون ، ويفسر ذلك بأنه الصدق والأمانة اللذان أمر بهما الرسول ، ولكن الرسولصلى الله عليه وآله قال وعمل فكان عمله أكبر مفسر لقوله .
إن الرسولصلى الله عليه وآله يصبح شاهدا وقائدا للمسلمين ، وتصبح سيرته منهجا للأجيال بعد الأجيال ، حينما يجمع أصحابه ويذهب إلى مكة فيتهرَّب جمع منهم ، وينسلُّون من جيشه لِواذاً خشية الإبادة ، فإنه يصنع واقعا حيا ، أو حين ينصرف من الخندق مع المسلمين ، ويضع عنه اللامة ، ويغتسل ، ويستحم ، فينزل عليه جبرائيل ويقول له :
[ عَذِيْركَ مِنْ مُحَارِبٍ أَلَا أَرَاكَ قَدْ وَضَعْتَ عَنْكَ اللَّامَةَ وَمَا ضَعَنَّاهَا بَعْدُ ]
« 2 » . فإذا به يثب صلى الله عليه وآله للجهاد ، ويتبعه المسلمون ، ويحارب بني قريظة .
هذه المواقف الواقعية هي التي تترك أثرها البالغ في نفوس الناس والأجيال ، فهذه سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله تلهم المسلمين جيلا بعد جيل العزم والاستقامة ، لأنه لم يكن شاهدا بكلامه وحسب ، وإنما بعمله وسلوكه لقد كان شاهدا في كل حقل ، مبادرا في كل مكرمة ، صانعا للأحداث ، مقتحما غمار الصعاب ، وحتى في الحروب كان القائد الشاهد ، والى الحد الذي قال عنه بطل الإسلام علي بن أبي طالب عليه السلام :
[ كُنَّا إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى العَدُوِّ مِنْهُ ]
« 3 » .
والرسالي الصادق هو الذي يشهد على عصره ، وتفسر مواقفه العملية كلماته المضيئة .
[ 9 - 10 ] ويجري السياق في بيان أهداف البعثة لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الذي طاعته
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 78 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ص 189 ، بحار الأنوار : ج 20 ص 209 .
( 3 ) نهج البلاغة : حكمة : 9 .