تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
والإيمان به امتداد للإيمان بالله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وهنا اختلف المفسرون في تحديد الذي تعود عليه ضمائر هذه الكلمات ، فقال جماعة بأنها تعود إلى الله سبحانه وتعالى ، ولا يمكن أن تعود على الرسول ، وقد عطف عليهما التسبيح الذي هو مختص به عزَّ وجلَّ ، وقال آخرون بأن الضميرين في وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ يعودان على الرسول ، والمعنى تنصرونه وتعظمونه . وما يبدو لي هو أن نصر الله وتعظيمه يتحققان بنصر رسوله ورفع شأنه لأنهما جهة واحدة ، وليس الرسولصلى الله عليه وآله سوى وسيلة إلى الله ، كما أن القبلة بذاتها ليست هدفا ، وإنما هي وسيلة للعبادة ، ونجد هذا المعنى جليا في كثير من الآيات القرآنية ، ومن جملتها قوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [ آل عمران : 103 ] ، وحبل الله هو الرسول والأئمة عليهم السلام ، ولاختصاص العبودية بالله نستطيع القول بأن الضمير في كلمتي وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ يعود على الرسولصلى الله عليه وآله ، بينما يعود في كلمة وَتُسَبِّحُوهُ على الله مباشرة ، وفي الآية اللاحقة بيان وتأكيد لهذه الفكرة ، يقول تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ فالمبايعة لله ، ولكنها تمر عن طريق الرسول صلى الله عليه وآله ، وغايتها إظهار الولاء التام للقيادة ، والتعهد بالاستمرار في خطها ، ولعل الكلمة مأخوذة من البيع فيكون معنى البيعة أن يبيع أفراد المجتمع المسلم أو التجمع الرسالي ما لديهم من طاقات وإمكانات مادية ومعنوية لقيادتهم بإزاء رضوان الله ، وليس بالضرورة أن تتم البيعة بسلام الرجال على الرسول مصافحة ، ووضع النساء أيديهن في الماء ، كما تم عند البيعة للرسولصلى الله عليه وآله أو للإمام عليعليه السلام في الغدير ، بل يمكن أن تتم عن طريق القسم الحركي ، أو بالوكالة بأن يبايع الأفراد نائب القائد ، أو حتى بالكتابة ، لأن المهم إظهار الاستعداد والالتزام بالطاعة بوضوح . قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : [ بَايَعَنَا رَسُولُ الله تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلَى المَوْتِ ، وَعَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ ] « 1 » . وكان الرسول صلى الله عليه وآله الذي يمثل الله يضع يده على أيدي المؤمنين في البيعة ، وقد أكد ربنا لنبيِّه أنه سيكون بالمرصاد لكل من تسوِّل له نفسه الخيانة . يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي قوته وقدرته أعلى من كل أحد فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ لأنه سوف يضع نفسه في موضع المحارب لله ذي القوة والطول ، ولن تقتصر خسارته على الآخرة وحسب ، بل سوف يخسر في الدارين ، وعلى عكسه الذي يلتزم بالعهد ويتم البيعة فإنه يجني السعادة في الدنيا والآخرة وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف للزمخشري : ج 4 ص 335 .