لهم ثمرات الفتح المبين . فهو صلى الله عليه وآله لا يمثل شخصه ، وإنما يمثل رسالته وربه ، ومن ثم فإن بيعته والخضوع لأوامره ليس إلا لله عزَّ وجلَّ ، وبهذه المناسبة يكشف السياق عن واقع المنافقين بأنهم انتهازيون ، ويبحثون عن مصالحهم فقط ، فتراهم يتبعون القائد ما دام ذلك لا يتعارض مع مصالحهم ، وإلا تمردوا عليه بمختلف الأعذار ، ولقد أمرهم النبي صلى الله عليه وآله بالتوجه إلى مكة فنكصوا على أعقابهم خوفا من عواقب ما عَدُّوه مغامرة غير محسوبة ، وعندما عاد المسلمون إلى المدينة فاتحين رجعوا إلى صفوف الأمة على جسر من الأعذار ، ولم يكن ذلك إلا لأن خط الرسالة فرض نفسه على الواقع .
ولكن ربنا لا يدع الأمر هكذا دون قيد يفرضه عليهم ، وبصيرة يهدي بها الرسول القائد والمؤمنين من حوله في التعامل مع هذا الطراز من الناس ، وإنما يشترط لقبول توبتهم أن تكون توبة نصوحا تحكيها أعمالهم وممارساتهم ، وتتجلى في مواجهاتهم اللاحقة مع الكفار ، التي ينبغي أن يثبتوا فيها جدارتهم للانتماء إلى خط الرسالة وتجمع المؤمنين ، أما مجرد الكلام وإلقاء الأعذار فلا يمكنه إعادتهم إلى الصف الإسلامي أبدا .
بينات من الآيات :
[ 8 ] إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً والشاهد : الحاضر ، فكيف ينسحب هذا المعنى على القائد ؟ إن الشاهد هو الحاضر الذي يكون سلوكه مقياسا للحق ، وشهادة الرسول على الأمة حجيته ، وكونه المقياس العملي للخير والفضيلة ، والميزان الواقعي للضلالة والهدى ، وليس المراد من شهادته صلى الله عليه وآله حضوره الجسدي بين المسلمين ، وإلا لما كان ذلك يحتاج إلى الإرسال من قبل الله باعتباره تحصيل حاصل ، ثم إن هذه الشهادة لا تنحصر زمنيا بوجوده المادي ، وإنما تشمل البشرية التي أرسل إليها جيلا بعد جيل ، وزمنا بعد زمن .
ولكي يتضح معنى شهادة الرسول القائد صلى الله عليه وآله لا بد من الحديث عن صفتين تجسدانها من صفاته ، هما : دعوته الناس إلى الرسالة عن طريق كلامه وبيانه ، والأخرى دعوته لهم من خلال سلوكه وعمله ، وذلك بصنعه واقعا يتأثر به المجتمع من حوله ، ومثال ذلك أنه صلى الله عليه وآله حينما يوقع على صلح الحديبية ، ويقبل بمحو اسم ( رسول الله ) من الوثيقة تكتيكيا ، فلكي يستمر الصلح بفوائده استراتيجيا ، وحينما يقود جيشا لِجَباً إلى المعركة ، وحينما يصلي خاشعا لربه ، وحينما يعفو ويسامح ، و . . ، كل هذه السلوكيات تؤثر واقعيا على المجتمع ، وتدفعه دفعا قويا من الأعماق للتأسي بصاحبها واتباعه ، إذن فالقيادة قبل أن تكون منصبا سياسيا واجتماعيا ، وقبل أن تكون قرارا من أعلى ، هي - في الواقع - مبادرة وواقع عملي ، والأئمة عليهم السلام أكثر ما أمروا
من هدى القرآن — صفحة 270
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٠